وقبل أن ننتقل إلى الآية الثالثة من آيات الإنفاق ننبه إلى بحثين لفظيين :
أولهما : أن الله سبحانه وتعالى كرر النفي فقال :
ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً
لتأكيد النفي ، بألا يصدر عنهم أي نوع من أنواع الأذى ، فلا يكون منّ ، ولا شبهة منّ ، ولا أذى ، سواء أكان أذى عن قرب أو بعد ؛ حتى لقد قال بعض الصالحين : ( لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه ) .
وثانيهما : إنه سبحانه وتعالى عطف بثم في قوله تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً
فلما ذا كان العطف بثم دون الفاء ؟ فهل مقتضى هذا أنه يسوغ المن والأذى عند العطاء ، ولا يسوغ بعده بفترة من الزمان ؟ والجواب عن ذلك أن التعبير بثم أفاد النفي المطلق على عدم اتباع الإنفاق بالمن والأذى في زمن قريب أو بعيد ؛ لأن المنفق في غالب الأحوال يكون عند إنفاقه في حال حماسية نفسية تدفعه إلى الإنفاق ، فما يفكر في منّ ولا أذى وقته ، وإن خطر له ذلك فقد يمنعه من الإعطاء ، إنما يكون التفكير في المنّ أو الأذى بعد ذهاب فورة الخير في النفس ، فإذا كان الله سبحانه قد صدّر النفي ب « ثم » فليحث المنفق على الاستمرار على نزعة الخير ، ولا ينكص على عقبيه ، فيفسد نيته بأذى يؤذى به من أجرى الخير على يديه ، أو من يمن به على من أعطاه .
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
( 263 ) في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه منزلة قول المعروف ، وكيف يذهب الأذى بخير الصدقة الفردية ، وأن الحرمان فيها مع قول الخير خير من الصدقة مع الأذى بالمن أو غيره ، وأن ألم الحرمان أقل من أذى القول ؛ لأنه أذى يصيب النفس بالجراح ، وجراح النفس ليس لها التئام ، أما ألم الحرمان فيذهبه الصبر ، ووراء الصبر الفرج القريب ، وإن الله مع الصابرين .
وقول المعروف هو الرد الجميل لطالب العطاء ، وذلك بتأنيسه ، وترجية الخير له ، وإن هذا في ذاته صدقة ؛ ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « الكلمة الطيبة صدقة ، وإن من