السماوات والأرض فأتقن كل شيء خلقه ، خلق طبيعة الإنسان تتأدى إلى ذلك النوع من المغالبة ؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
فإنه لما وجد الاعتراض بقوله تعالى :
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا
كرر مشيئة الله سبحانه ؛ ليعقبها بقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ .
ولكنا نميل إلى تعميم الاقتتال بتعدد أسبابه من غير نظر إلى مجرد الاختلاف بسبب الإيمان والكفر .
والاستدراك في قوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
فيه الإشارة إلى أنه سبحانه لم يشأ منع الاقتتال ، بل أراد أن تكون هكذا طبيعة الإنسان ، وهو العلى القدير ، فعال لما يريد .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ
بعد أن بين سبحانه أن الاقتتال قائم في الدنيا ، وأن الحق لا ينال في راحة واطمئنان ؛ لأن البغى والعدوان في طبيعة كثير من بنى الإنسان ؛ وإذا كان الحق في ذاته أنبل ما يطلبه ابن الإنسان فإن الطريق إليه ليس خاليا من مذأبة من ابن الإنسان ؛ وإذا كان ابن آدم قد قتل أخاه ؛ لأنهما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ، ولم يتقبل من الآخر ، فقال من ردّ عليه قربانه لأخيه : لأقتلنك ، وقتله ؛ فالنزاع مستمر ؛ لذلك
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
( 39 ) [ الحج ] فكان لا بد من أخذ الأهبة ، وبذل النفس ، ثم بذل النفيس أيضا .
ولذلك أمر سبحانه وتعالى المؤمنين بأن يستعدوا للقتال بالإنفاق في سبيل الله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ
أي أنفقوا في سبيل الله . فالإنفاق في سبيل الله هو الإنفاق في سبيل الحق ، وسبيل كل خير في هذا الوجود ، فكل ما ينفق في سبيل الفضيلة من إعطاء لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وإقامة دعائم الاقتصاد الفاضل ، والعمران الشامل هو مما ينفق في سبيل الله ، وأقواها مما ينفق في سبيل حماية الحوزة ، والدفاع عند الاعتداء .