أن جاءتهم البينات أي الأدلة الواضحة المعلنة للحق الكاشفة له ، فليس اقتتالهم عن جهالة ، بل هو بعد أن تبين الحق ووضحت معالمه ؛ وذلك لأن الهوى يعمى ، والأعمى لا يبصر ولو كانت الشمس مشرقة .
- الإشارة الثالثة : الاستدراك في قوله تعالى :
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا
فإن هذا الاستدراك يشير إلى أمرين :
أحدهما : أن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يزيل القتال ؛ لأنه سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفي المنازع ، منهم من يتقبل الحق ويصغى فؤاده إليه ، ومنهم من يعرضون عنه
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ
( 48 ) [ النور ] .
الأمر الثاني الذي دل عليه هذا الاستدراك : أن مجىء البينات المعلنة الكاشفة كانت توجب أن يكونوا جميعا مجيبين ، ولكنهم كانوا مختلفين ، فالناس ليسوا سواء .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
الاقتتال خالد إلى يوم القيامة ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال لآدم وزوجه وإبليس :
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ . . .
( 36 ) [ البقرة ] ، وقد كان القتال السابق بسبب الإيمان والكفر أو بسبب إجابة بعض الناس للأنبياء وجحود الآخرين لرسالات الرسل بعد أن قامت عليها البينات ، وثبتت دعوة الحق بالأدلة ؛ وهنا يبين بشكل عام أن الله سبحانه لو شاء لمنع الاقتتال سواء أكان الاختلاف على غرض من الأغراض ؛ فإن المغالبة في طبيعة الإنسان ؛ ذلك أن في الإنسان بطبعه حبا للعلو ، والمنازع مختلفة ، والقوى متباينة ، والفرص قد تواتى فريقا ، وتناوئ فريقا ، وإذا اتحدت القوى والفرص فقد يحدث موانع لهذا لا تحدث لذاك ، وبهذا يعلو فريق على فريق ، فيكون النزاع ، ويكون الغلاب ويكون الاصطراع ، ويسرى ذلك التعالي في كل شيء في السلطان وفي التجارة ، وفي الاقتصاد ، بل في المذاهب الاجتماعية .
وإذا وجد ذلك الصراع فسيكون من ورائه - إن اشتد - القتال ، ولو شاء الله لجعل بني آدم على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ، ولا يتقاتلون ، ولكن الله الذي خلق