تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 914

مساهمون:

ص٩١٤
ومن سنن الله في الحروب التي استبانت من القصة أن النصر يكون عند اتحاد العزائم وتلاقى القلوب ، وأخذ الأهبة ، والصبر والثبات ، وأن النصر ليس بكثرة العدد ، وإنما هو بالعزيمة الماضية والثبات والصبر ، والمعونة من الله العلى القدير ، وأن الحق في ذاته قوة إن آمن به صاحبه ، وأراده عزيزا كريما غير ذليل . ولقد سن سبحانه في هذا القصص الطريق لاختيار الحكام ، فبين أن الحاكم لا يختار لنسب رفيع ، ولا يختار لمال وغير ، ولكن يختار لقدرته على القيام بأعباء الحكم من قوة في نفسه ، وقدرة على الاستيلاء على أهوائه وشهواته ، وعلم غزير بشؤون الاجتماع وأحوال الناس ، ومن تجارب هادية إلى الحق في الأمور ، وإخلاص ينير الطريق والبصائر ، وليس الحكم عطاء يعطى ، ولكنه ابتلاء وأعباء . وإن الحاكم الذي تجتمع القلوب حوله هو حكم الجماعة ، والحاكم مظهرها ، وأن قتل الحاكم أو مات أقامت الجماعة مثله ، أو خيرا منه ، أما الحاكم المتسلط المتجبر فإنه جامع للناس على رغباته ، فإن قتل أو مات تفرق الجمع وولى الأدبار . وهذه إشارات إلى العبر في ذلك القصص الحكيم .
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 252 ) بعد ذكر تلك القصة المرشدة الهادية لكل مستبصر معتبر ، بين الله سبحانه أن هذه الآيات المتلوة هي من عند الله ، وهي تتلى بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنها تتلى على الرسول الكريم وهي معجزته وآية رسالته ، وإنما ذلك بعد هذه القصة لما فيها من الدلائل الواضحة البينة التي تثبت رسالة النبي الكريم ؛ لأن ذلك القصص الصادق جاء على لسان أمىّ لا يقرأ ولا يكتب ، لم يجلس إلى معلم ، ولم يأته علم لا بطريق كتاب يقرؤه ؛ لأنه ليس بقارئ ، ولا بطريق معلم يعلمه ، ولا بتلقين من أي جهة كان التلقين ، إذ كان صلى اللّه عليه وسلم من أمة أمية ليس فيها علم مدون في كتب ، ولا علماء يتدارسون ، ولم يكن جو علمي ينال منه الأريب بالخلطة والاتصال ، ولم يكن محمد صلى اللّه عليه وسلم في حياته ذا نجعة وأسفار ، بل لم ينتقل من مكة إلا مرتين كانت أولاهما وهو غلام ، وكانت الثانية وهو يقارب الخامسة والعشرين .