تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 892

مساهمون:

ص٨٩٢
أولا : بأن الله اصطفاه أي اختاره من الصفوة وأهل الهمة والنبل ؛ وقال :
اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ ،
ولم يقل منكم مع أنه منهم ، للإشارة إلى فضله عليهم واستعلائه بما منحه الله من خواص وصفات ؛ وإنه كان يكفى اصطفاء الله له ليسكتوا ولا يعترضوا ؛ لأنه ليس فوق إرادة الله إرادة ، وليس لهم الخيرة فيما اختاره الله ؛ ولأنهم فوضوا أمر اختيار الملك إلى النبي ، وقد اختاره اللّه ربهم ورب النبي . ثانيا : وردّ نبيهم اعتراضهم ببيان المقياس الصحيح لعظم الرجال واستعدادهم لقيادة الشعوب إلى مواطن العزة والشرف ؛ لقد حسبوا النسب والمال مقياس العظمة ، فبين لهم مقياسها ، فقال :
وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
أي أنه أعظم منكم جميعا ؛ لأن الله سبحانه زاده عليكم في الأمرين اللذين هما سبب للقيادة الحكيمة ، وهما : أولا : قوة العقل وسعة العلم وكثرة التجارب ، وثانيا : قوة الجسم وعظم المنّة « 1 » . وفي ذلك فوق التنبيه إلى مقاييس العظمة الحقيقية ، إشارة إلى الأهلية للمنصب في الدولة ، فالأهلية للمنصب ليس الحسب والنسب والمال ، ولكن الأهلية للمنصب بالكفاية فيه ، فإذا كان الملك أعلى المناصب ، وإذا كانت الرئاسة الكبرى أعظم الأعمال تبعات ، فليس الذي يؤهل للمناصب السعة والمال ، بل الكفاية لها والقدرة عليها ؛ ففي الآية الكريمة إشارة إلى مقياس العظمة ، وإلى مقياس الاختيار للأعمال والمناصب . والبسطة في العلم معناها الاتساع في الأفق والتجارب ، وقوة العقل والتدبير والإحكام في التفكير ، فالبسطة معناها الاتساع ، وإذا أضيفت إلى العلم فمعناها الاتساع والإحاطة بكل ما يوجه العقل إلى التفكير المستقيم مع سلامة العقل نفسه . وبسطة الجسم اتساعه ، لا بمعنى كثرة اللحم والشحم ، بل بأن يكون سبط العظام مديد القامة بعيد ما بين المنكبين ؛ وقد يراد ببسطة الجسم تلك الحقيقة ، وهو
هامش
( 1 ) المنّة : المنّة ، بالضم : القوّة ، وخص بعضهم به قوة القلب . [ لسان العرب - الميم - منن ] .