تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 893

مساهمون:

ص٨٩٣
بذلك فوق قوة المنة ، يلقى بالرعب منظره في قلوب الأعداء ، وبالهيبة في قلوب الأولياء ؛ أو يراد ببسطة الجسم مطلق القوة ؛ لأن طويل العظام عريض ما بين المنكبين يكون في غالب الأحوال قوى الجسم ، فأطلق ذلك وأريد مطلق القوة . ويلاحظ أنه قدمت بسطة العلم على بسطة الجسم للإشارة إلى أنها في الرئاسة أقوى تأثيرا ، وأنها الأصل وغيرها التابع ، وأنه ليست الحاجة إلى قوة الجسم بمقدار الحاجة إلى قوة الرأي والتدبير وسعة العلم وكثرة التجارب .
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
ذيل الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة بهذه الجملة السامية ؛ للدلالة على أمرين : أولهما : أن الأمور كلها بيده سبحانه وتعالى ، وأنه فعال لما يريد ، وأن ما يشاء في هذا الكون يقع ، وما لا يشاء لا يقع ، وأنه سبحانه يؤتى الملك في الدنيا لمن يشاء ، وأنه إذ يعطيه هو المسيطر عليه ؛ ولذلك أضيف الملك إليه إذ قال
مُلْكَهُ
فهو إذ يعطيه لمن يعطيه هو الغالب على أمره يستطيع أن يسلبه في أي وقت شاء ، فهو مالك الملك ، يؤتى الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، وهو القاهر فوق عباده . ثانيهما : أن كل شئ في الوجود تحت سلطان الله تعالى ، وهذا معنى أن الله واسع ، أي محيط بكل شئ ، قد وسع كل شيء برحمته وقدرته ، وأنه يدبر الأمور على مقتضى العلم الواسع الشامل ؛ فهو يربط الأسباب والمسببات ، وهو يعطى لحكمة يعلمها ، ويمنع لحكمة يعلمها ، يبتلى الأمم بالقوة والضعف والعزة والذلة ، والهزيمة والانتصار ، والبأساء والضراء ، ثم النعماء والسراء ، كما قال تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً . . .
( 35 ) [ الأنبياء ] وعلى الأمم المغلوبة أن تتخذ الأسباب بجمع الكلمة ، وتأليف القلوب ، وتحرير النفوس من ربقة الأهواء والشهوات ، ولا تستسلم للضعف ، ولا تستخذى للقوى ، وتناضل وتكافح وتصابر ، وتتوكل على الله ، وإلى الله مصير الأمور .
زهرة التفاسير — صفحة 893 | محمد أبو زهرة