والعظماء في الأمم هم القمم العالية التي تهدى إلى مواطن القوة ، وتثير العزة من مكامنها .
وإن أردت أن تعرف مقياسا ضابطا لرقى أمة من الأمم فخذه من مقياس العظمة فيها ، وقد كان بنو إسرائيل في وقت هذه القصة في أشد الانهيار الخلقي كما يدل على ذلك مقياسهم للعظمة بالسلالة والمال .
وفي هذه الجملة الكريمة مباحث لفظية نشير إليها :
أولها : قوله تعالى :
أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
أنّى ، قد تستعمل بمعنى كيف ، وقد تستعمل بمعنى من أين ، وهي هنا يجوز أن تكون بمعنى كيف ، ويكون المعنى :
كيف يكون له الملك علينا ، على أي حال يسوغ ذلك ويمكن ؟ فهو استفهام المقصود منه الاستبعاد المطلق ، أي أنه لا يتصور أن يكون مثله ملكا ؟ أي أنه ليس فيه من الصفات ، ولا في بيته من المحتد ، ما يسوغ معه أن يكون ملكا . فالمقصود من الاستفهام استبعاد أن يكون فيه سبب من الأسباب المسوغة للملك .
ثانيها : قوله تعالى :
وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ
المتكلم بهذا الملأ من بني إسرائيل أي كبراء بني إسرائيل ؛ فكل واحد منهم يقرر أنه أحق بالملك ، ومجموعهم يقرر أنه دونهم ، وأحقيتهم من ناحية النسب وناحية الجاه في بني إسرائيل ، وناحية الأنصار والعصبية .
ثالثها : قوله تعالى :
وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ
أصل السعة أن تكون في المكان وفي الفعل وفي الحال ، والسعة في الحال أن يكون على حال من القدرة أو المال بحيث لا يكون مضيقا عليه أو لا يكون في ضيق ، فلما كنّى عن قلة المال بالضيق كنّى عن كثرته بالسعة .
قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
لقد اعترضوا على اختيار طالوت بأنه ليس خيرا منهم سلالة ومحتدا ، وأنه ليس ذا مال وفير ؛ فرد نبيهم قولهم :