وإن الله سبحانه وتعالى قد ذيل الآية الكريمة بقوله تعالت كلماته :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
وفي هذا التذييل إشارات إلى معان جليلة ، منها : الإشارة إلى علم الله السابق بأن هؤلاء الكثيرين سيكون منهم ما كان ؛ لأن حالهم كانت تؤدى إليها ، ومنها أن الله يميز الخبيث من الطيب ويعلم الصالح والطالح ، ويضع كلا في موضعه الذي يليق به عند الناس وعنده يوم القيامة ؛ ومنها أن الذين نكصوا على أعقابهم والبلاء بلاء ظالمون ؛ ظلموا أنفسهم بالرضا بالذل ، وبالمنزل الهون ، وبأدنى معيشة ؛ وظلموا إخوانهم بعدم معاونتهم في الشديدة ؛ وكانوا ظالمين بعصيان أوامر القيادة الحكيمة ، ثم ظالمين أكبر الظلم بعصيان الله رب العالمين ؛ ثم كانوا ظالمين للذرارى والأخلاف من بعدهم ، لولا توفيق الله للفئة القليلة .
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً
لقد ذكر الله سبحانه وتعالى حالهم عند القتال عندما طلبوه ، ليبين سبحانه الفارقة بين القول والعمل عند الذين غلبت عليهم الذلة ، واستولت عليهم شهواتهم ؛ ثم أخذ سبحانه يذكر بقية القصة والعبرة فيها :
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً
أي أن اللّه سبحانه قد أخرج من صفوفكم - وهو العليم الحكيم الخبير بأحوالكم - شخصا قد استوفى كل أسباب الرئاسة وجعله ملكا عليكم . وفي التعبير إشارة إلى أنه أمثلهم وأقواهم على تحمل أعباء الحكم ؛ لأن « بعث » تتضمن معنى الإثارة والفحص ثم الإخراج .
والملك المراد به هنا فيما يظهر مالك أمرهم ، والمتولى ملكهم ، وليس المراد منه المعنى المتعارف ، وهو من يتولى بالسلالة ، فإنه سيتبين أنه لم يختر لسلالته ، بل اختير لعلمه وحكمته وقوته ؛ ولم يستمر الملك في ذريته ، بل آل من بعده لنبي الله داود كما تدل على ذلك أخبار داود التي ذكرها القرآن الكريم ؛ فقد آتاه الله الملك والحكم ، وإنه اختير باختيار الله تعالى بما أوحى به لنبيه ، ولم يكن باختيارهم حتى لا يتنافسوا فيكون بأسهم بينهم شديدا ، بدل أن يكون على عدوهم .