تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 865

مساهمون:

ص٨٦٥
كل هذا من فضل الله على الناس
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
لا يشكرون هذه النعم ويقومون بحقها عليهم ، فإن شكر النعم أن يحس المنعم عليه بفضل المنعم ، ويحمده ويثنى عليه ، ويقوم بحق الإنعام بأن يجعل ما أنعم الله به عليه لخيره وخير الناس ، ويستعمله فيما أحله سبحانه . وأكثر الناس قد كفروا هذه النعم ؛ فمنهم من أشرك مع المنعم سبحانه غيره من أحجار وأوثان وشمس وبقر ونار ، فطمس الله على بصيرتهم ؛ ومنهم من كفر بما أودع الله نفسه من قوة ، فاستخذى واستكان ، ورضى بالمكان الدون ، والمنزل الهون ؛ ومنهم من تقاعس في الدفاع عن حوزته ودياره وهو على ذلك قادر حتى أبيح الحمى وهدمت الديار ؛ ومنهم من فر من لقاء الأعداء ، حتى آل إلى الموت الخسيس ، وقد جهل نعمة الله على الناس ، وسننه فيهم وهي أنه لا ينجى من الموت إلا الإقدام على الموت مدرعا بكل وسائل القتال والدفاع ؛ وأن من يطلب الموت ينال الحياة ، ومن يفر من الموت الشريف يطلبه الموت الذليل تلك سنة الله في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تبديلا . هذا موضع قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
في مقام بيان عاقبة الذين يتركون الجهاد ويفرون حذر الموت ، وهو يدل على أن أولئك الفارين لم يقوموا بحق المنعم الذي أنعم عليهم ؛ إذ لم يطيعوه بأخذ الأهبة والاستعداد ، ولم يعتمدوا عليه سبحانه بعد أن يأخذوا بالأسباب ، وكفروا بأنعم الله عليهم ولم يقوموا بحقها فعطلوا قواهم ورضوا بالفرار والعار ، وعندهم القدرة على الدفاع مستعينين بالله سبحانه . وقد قال تعالى في وصف ذاته الكريمة :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
أي لصاحب فضل دائما ، أي أن الفضل على الناس بلازم ذاته الكريمة ، فهو المتفضل سبحانه وتعالى دائما ؛ تفضل بالإيجاد ، وتفضل بإيداع القوى ، وتفضل بسن السنن الكونية والشرائع الهادية ، والإرشاد القويم ؛ وتفضل بأن أقام الأمور على الحق والقسط ، وأن الخير يدفع الشر ، وأهل الحق يدفعون الباطل وأنصاره ، وأن