تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 863

مساهمون:

ص٨٦٣
فهؤلاء الذين تاهوا في الأرض قد ماتت وحدتهم ، وقد أحياهم الله سبحانه من بعد بجمع كلمتهم في عهد الملوك والنبيين . وإنه ليزكى ذلك النظر أن الآيات من بعد ذلك في قتال بني إسرائيل مع ملوكهم وأنبيائهم ، وانتصارهم وهم فئة قليلة مع داود عليه السلام على أعدائهم وقد كانوا كثيرين . الأمر الثاني : الذي تحتمله الآية الكريمة في معنى الحياة والممات : أن يكون المراد الموت الحقيقي بموت أكثرهم ، وتشتت باقيهم ؛ وذلك لأن حذر الموت جعل عدوهم يعمل سيفه في رقابهم حتى أباد خضراءهم ، واجتث شأفتهم ؛ والحياة من بعد ذلك هي الحياة الآخرة ، وما يجرى بعدها من حساب وعقاب ؛ فهم قد أذاقهم الله سبحانه وتعالى بها مغبة الجبن في الدنيا ، وسيحاسبهم على ما كان منهم في الآخرة ؛ فهم بهذا قد خسروا الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين . وقد يقول قائل : إن التعبير بالماضي والحياة في الآخرة أمر مستقبل غيب الله سبحانه زمانه ، وأكد وجوده ، فنقول : إن التعبير بالماضي للدلالة على تأكيد أن الوقوع في المستقبل منهاج قرآني كما في قوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ . . .
( 1 ) [ النحل ] ف ( أتى ) هنا بمعنى سيأتي ، بقرينة
« فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ »
ومثل قوله تعالى في أهوال يوم القيامة :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) [ الفرقان ] . هذان هما الأمران ، ولعل أولهما أبين وأوضح ، ونحن إليه أميل . وقد يقول قائل : لما ذا تستبعد الإحياء الجسمي في الدنيا ؟ أهو مستحيل ؟ وجوابنا عن ذلك : إنه ليس بمستحيل ، ولكنه خارق للعادة ، والله سبحانه وتعالى يسير أمور الناس على مقتضى ما سنه في الكون حتى تقتضى حكمته خرق ذلك النظام ليكون حجة على رسالة رسول ، وليس في الآية ما يدل على ذلك ، كما أنه لم يسق الآية لبيان البعث حتى يكون خرق سنن الله التي سنها في الكون لبيان قرب البعث وقدرة الله عليه ؛ إنما الأمر في الجهاد ، ويناسب ذلك أحد المعنيين اللذين ذكرناهما ، والأول في هذا المقام أنسب ، وهو على النحو الذي وضحناه يكون تمهيدا لبيان قصص بني إسرائيل في قتالهم .