تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 864

مساهمون:

ص٨٦٤
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
بعد بيان حال الذين فروا من الجهاد ، وآثروا الدعة والراحة فلم يأخذوا الأهبة للقاء عدوهم الذي يتربص بهم الدوائر ، وينتهز أية فرصة لينقض عليهم ؛ بعد بيان حال هؤلاء وأنهم يفرون من الموت في شرف إلى الموت في خسة ، ومن الموت العزيز الكريم ، إلى الموت الذليل الذي يدفع إليه الطبع اللئيم ؛ بعد هذا كله أشار سبحانه إلى فضله تعالى على الناس أجمعين ؛ وإن الإشارة إلى فضل الله تعالى في هذا المقام تنبيه للعقول الغافلة ، وإيقاظ للأفكار الراقدة إلى عظيم نعمته تعالى على الناس في أنفسهم وفي اجتماعهم ؛ وذلك لأنه سبحانه وتعالى أنشأ النفوس الإنسانية ، وأودعها الإلف والائتلاف ، وبذلك يتكون الاجتماع ، ويعاون كل امرئ الآخرين ، وبفضل التعاون تقوم الأمة ، ويشتد ساعدها ؛ ولقد أودع الله سبحانه وتعالى مع تلك النعمة المؤلفة الرابطة قوة أخرى في الإنسان ، وهي القدرة على الدفاع عن النفس ، ومغالبة الذين يصاولونه ، ويريدون به الأذى ، من أعداء مغيرين ، أو حيوان مفترس ؛ فبهذه القوة الخلقية التي أودعت نفسه ، وبتلك القوة الجسمية المكافحة يصاول أعداءه ، ويحمى أولياءه ؛ ومن مزيد فضله على الناس أن أباح الدفاع عن النفس ، والقتل في سبيل ذلك ، كما قال تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
( 39 ) [ الحج ] . ومن فضل الله على الناس أن مكن للمظلوم من ظالمه ، وللمعتدى عليه من المعتدى إذا أخذ المظلوم في أسباب دفع الظلم واستعد ، ولم يمكن الظالم من رقبته ؛ فإن مات في سبيل ذلك مات شهيدا ، وجعل الله سبحانه وتعالى له في الآخرة نعيما مقيما ، وثوابا دائما ، واعتبره أفضل الأحياء ؛ كما قال تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
( 169 ) [ آل عمران ] . واعتبر سبحانه وتعالى الجهاد في الدفاع عن الحوزة والديار ما دام عادلا ، جهادا في سبيله سبحانه وتعالى .
زهرة التفاسير — صفحة 864 | محمد أبو زهرة