تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 861

مساهمون:

ص٨٦١
الإسرائيلية التي ذكروها ، وهي صارفة عن العبرة ، ولا مزيد كمال فيها . المتبادر من السياق أن أولئك القوم خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم ، فقد كانوا ألوفا أي كثيرين ، وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء ، فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقى من الموت ، وما هو إلا سبب الموت . . ولما خرجوا فارين
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
أي أماتهم بإمكان العدو منهم ؛ فالأمر أمر التكوين ، لا أمر التشريع ؛ أي قضت سنته في خلقه بأن يموتوا بما أوتوه من سبب الموت ؛ وهو تمكين العدو المحارب من أقفائهم بالفرار ، ففتك بهم وقتل أكثرهم ؛ ولم يصرح سبحانه بأنهم ماتوا ؛ لأن أمر التكوين مشيئة الله سبحانه . .
ثُمَّ أَحْياهُمْ
إنما يكون الإحياء بعد الموت ؛ والكلام في القوم لا في أفراد . . . فمعنى موت أولئك القوم أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم ، وأزال استقلال أمتهم ، حتى صارت لا تعد أمة ، بأن تفرق شملها ، وذهبت جامعتها ، فكان من بقي خاضعين للغالبين ، ضائعين فيهم مدغمين في غمارهم لا وجود لهم في أنفسهم ، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم ؛ ومعنى حياتهم هو عودة الاستقلال إليهم ؛ ذلك أن من رحمة الله تعالى في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبا لهم ، ومطهرا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة . أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها ، فجمعوا كلمتهم ، ووثقوا رابطتهم ، حتى عادت لهم وحدتهم قوية ، فاعتزوا وكثروا إلى أن خرجوا من ذل العبودية التي كانوا فيها إلى عز الاستقلال . فهذا معنى حياة الأمم وموتها » « 1 » . وهذا نظر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، ونراه نظر إلى مرمى الآية الكريمة ، وهو يتجه إلى أن الموت والحياة هو موت الأمم وحياتها ؛ وموت الأمة ليس بموت آحادها ، إنما هو بذهاب الجامعة التي تربطها ، واندغامها في غيرها ، حتى لا يصبح لها كيان قائم بذاته ؛ وحياتها هي عودة هذه الوحدة الجامعة ، والعزة المسيطرة والكيان المستقل .
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 2 ص 451 .