تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 858

مساهمون:

ص٨٥٨
دليل منير - حال أولئك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، ومن لم يعلم ذلك ينبغي أن يعلم ؛ لأن البينات قائمة ؛ والعلامة المعلمة واضحة فالاستفهام في الآية يقرر العلم ، ويوجه الأنظار إلى وجوبه ، ويحثها على الأخذ في أسبابه والالتفات إلى أماراته وأعلامه ؛ فهو تقرير وتنبيه ، وإثارة للمعجب من حال من فروا من الجهاد فلقوا الموت . ومن هم أولئك الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ؟ قبل أن نخوض في الجواب عن ذلك نتكلم في أمرين لفظيين قد يهدى أحدهما إلى الحق في شأن أولئك الذين خرجوا من ديارهم . الأمر الأول - كلمة « ألوف » فإن بعض العلماء فسرها بمعنى كثرة العدد ، أي أنهم عدد كثير ، ألوف مؤلفة ، وكثرة كاثرة ؛ فما كان خوفهم عن قلة ، بل كان على كثرة ؛ أو ما كان الخوف عن سبب يسوغه ، بل كان عن جبن يخذل . وبعض العلماء قال : إن معنى « ألوف » مؤتلفون مجتمعون ؛ فألوف على هذا جمع آلف ، كقعود جمع قاعد ، وركوب جمع راكب ، ونحو ذلك ؛ والمعنى على ذلك أنهم قبل خروجهم من ديارهم ، وتفرقهم في الأرض كانوا مؤتلفين مجتمعين توحدهم كلمة جامعة ، ووحدة رابطة ، ففرقهم الخوف على الحياة أيا كانت صورها ولو كانت حياة الذل والانكسار ، وإنه ليعقبها الشقوة والانهيار . الأمر الثاني - كلمة « حذر الموت » تنبئ عن الباعث على فرارهم ، وهو حرصهم المطلق على الحياة على أي صورة كانت تلك الحياة ، كما وصف سبحانه وتعالى اليهود فقال سبحانه :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ . . .
( 96 ) [ البقرة ] أي مهما يكن نوع هذه الحياة ، ثم خوفهم المطلق من الموت ، أيا كانت أسبابه ، ومهما تكن نهاية الفرار منه ، وإن ذلك الخوف كان قبل أن تتحقق أسبابه فلم يكن الموت قد نزل ضربة لازب لا مناص منه إلا بالخروج من الديار ؛ بل إن الذي دفعهم هو الحذر من الموت ، وليس الحذر إلا توقيا للأسباب واحتراسا وابتعادا قبل أن تظهر الأسباب قوية ملزمة موجبة ، وعلى ذلك يكون الحذر من الموت أدق