في بيان جبنهم من الخوف ، إذ الخوف يكون وقد ظهرت موجباته ، وتعددت الأمارات ؛ أما الحذر فإنه توق مانع قبل وجود الأسباب وإن بدت ولاحت بعض أمور احتمالية لوجود هذه الأسباب .
ولقد كانت نتيجة خروج أولئك الحذرين من الموت أن استقبلهم الموت المقدور ، فقال لهم الله موتوا ؛ وأمر الله سبحانه وتعالى هنا أمر تكويني ؛ أي أنه سبحانه وتعالى أماتهم ، وإن أمر الله التكويني هو بإيجاد ما ساقه على أنه أمره
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) [ يس ] .
فإذا كان أولئك قد فروا من الموت فيلقاهم الموت ، وكيف يفرون من أمر وهو واقع لا محالة طال الأمد أو قصر ، وهو واحد مهما تعددت أسبابه ، والموت في شرف خير من الحياة في خسة ، والموت في عزة خير من الحياة في ذلة ! .
بعد هذا نجيب عن السؤال : من هم هؤلاء الذين فروا من الموت فلقيهم من حيث لا يقدرون ، ثم أحياهم من ذلك رب العالمين ؟ وهل هذه الحياة كانت في الدنيا ؟
قد وردت في ذلك أخبار وروايات لم تثبت بسند صحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي بيّن الكتاب للناس ، ولا عن أحد من أصحابه الذين تلقوا ذلك البيان .
ومن تلك الروايات أنهم قوم من بني إسرائيل خرجوا هاربين من الوباء فنزلوا واديا ، فأماتهم الله ثم أحياهم اعتبارا وإجابة لدعاء نبي من أنبيائهم .
وفي رواية أخرى أنهم قوم من بني إسرائيل فروا من الجهاد مع نبيهم ، فأماتهم الله ليعلمهم أنه لا ينجيهم من الموت شئ ، ثم أحياهم ليجاهدوا .
ورواية ثالثة تقول : إن أولئك القوم كانوا من بني إسرائيل ، حرضهم ملك من ملوكهم على الجهاد فخرجوا حذر الموت ، فأماتهم الله سبحانه ثم أحياهم .
وفي كل رواية من تلك الروايات تفصيلات لا حاجة إلى ذكرها ، ولقد نقل القرطبي في أحكام القرآن بعد ذكر هذه الروايات ما نصه : قال ابن عطية : وهذا