وعلى هذا نقرر أن حكم هذه الآية باق لم ينسخ ، وثابت مقرر بنص القرآن الكريم ؛ وقد قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد وجه الحكم بعدم النسخ من قبله فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير ، فقد جاء فيه ما نصه بعد بيان قول من حكم بالنسخ :
القول الثاني قول مجاهد : إن الله أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين إحداهما ما تقدم وهو قوله تعالى
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً . . .
( 234 ) [ البقرة ] والأخرى هذه الآية ، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين ، فنقول إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا في تلك الآية المتقدمة ، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها والأخذ من ماله وتركته فعدتها هي الحول ، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى حتى يكون كل واحد منهما معمولا به .
القول الثالث وهو قول أبى مسلم الأصفهاني : إن معنى الآية من يتوفى منكم ويذرون أزواجا ، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول ، فإن خرجن من قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف ، أي من نكاح صحيح ؛ لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة ؛ قال : والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا كاملا ، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب ؛ وعلى هذا التقدير النسخ زائل ؛ واحتج على قوله بوجوه :
أحدها : أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بقدر الإمكان .
والثاني : أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ في النزول ، وإذا كان متأخرا عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخرا عنه في التلاوة أيضا ؛ لأن هذا الترتيب أحسن ، فأما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة فهو وإن كان جائزا في الجملة يعد من سوء الترتيب ، وتنزيه كلام الله عنه واجب بقدر الإمكان ؛ ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك في التلاوة كان الأولى ألا يحكم بكونها منسوخة بتلك .