وفي قول آخر للشافعي : إن هذه الآية خاصة بغير المدخول بها التي لم يسم لها مهرا ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه في المتعة الواجبة ؛ وقد قال الطبري في ذلك إن الآية الأولى ، وهي :
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
( 236 ) [ البقرة ] : فهم بعض الناس منها أن المتعة لمن لم يسم لها مهرا ولم يدخل بها ، من الإحسان غير الواجب وليست بواجبة ، فجاءت هذه الآية صريحة في الوجوب .
وعلى ذلك الرأي تكون هذه الآية عامة في لفظها أريد بها الخصوص في معناها .
هذه هي التخريجات الفقهية على تفسير المتاع بأنه المتعة ، وقد رأيت اضطراب أقوال الفقهاء بشأنها واختلافهم في معناها ؛ وقد ادعى بعضهم أن هذه الآية منسوخة بالآية السابقة :
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
( 236 ) [ البقرة ] .
أما القول الثاني وهو تفسير المتاع بالنفقة فالذين قالوه أقل عددا ، ولكنه أكثر اتساقا ، وأبعد عن كل معاني التأويل ، وقد قال فيه الفخر الرازي :
والقول الثاني بالمتاع النفقة ، والنفقة قد تسمى متاعا ، وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى .
ونحن نوافق الرازي على أن ذلك التفسير أولى ؛ لأنه أولا يندفع به التكرار ، وتندفع به ثانيا دعوى التخصيص ودعوى النسخ ، ويندفع به الاضطراب الكثير في تحرير معنى الآية الكريمة السامية ؛ وأخيرا هو الذي يتسق مع ما كان للمتوفى عنها زوجها من متاع هو السكنى ، وهي إحدى شعب النفقة ، فوجبت حقا في مال المتوفى ، ولم يجب الباقي لعدم وجود من يجب عليه ، أما المطلقة فتجب لها النفقة كاملة بشعبها الثلاث السكنى والطعام والكسوة ، والله سبحانه هو العليم بمراده ، تعالى كلام الله علوّا كبيرا .