ولكن فرض الكثيرون من المفسرين تعارضا بين الآيتين ، واعتبروا الآية الأولى ناسخة للآية الثانية ، وادعوا أن جمهور السلف على ذلك الرأي ؛ واعتمدوا في ذلك على روايات رويت عن عثمان بن عفان ، وعبد الله بن عباس وغيرهما .
وقد خالف ذلك شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ، فروى عن مجاهد أن هذه الآية - وهي التي نتكلم في معناها - آية محكمة لا نسخ فيها ؛ فقد قال مجاهد :
العدة تثبت أربعة أشهر وعشرا ، ثم جعل الله لهن وصية سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة ؛ فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت ، وهو قوله تعالى :
غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ .
ولقد روى البخاري مثل ذلك عن مجاهد أيضا ؛ فقد أخرج البخاري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً .
قال :
« كانت هذه العدة تعتدها عند أهل زوجها واجبا ، فأنزل الله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ
قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ، إن شاءت سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت .
وبهذا التخريج وذلك السند الصحيح يثبت أن لا تعارض قط بين الآيتين ، وشرط النسخ التعارض ولم يوجد فلا نسخ ، ولكن الجمهور من الفقهاء يعتمدون في النسخ على قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى البعرة عند رأس الحول » « 1 » ففي هذا الحديث تصريح بأن أربعة أشهر وعشر ليال نسخت وجوب البقاء حولا ، وهذا كلام حق ، وهو لا يخالف الآية التي نتكلم فيها ؛ لأن الجاهلية كانت تجعل العدة سنة فجعلها الإسلام أربعة أشهر وعشرا ، وهذه الآية لا توجب عدة الجاهلية ، فهي لا تلزم المرأة بالامتناع عن الأزواج سنة كاملة ، ولكنها تعطيها حق البقاء سنة كاملة ، فهي تبين ما لها من حق ، ولا تذكر ما عليها من واجب اكتفاء بما ذكر في آيات العدة التي تعتدها .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه من رواية البخاري ومسلم .