تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 830

مساهمون:

ص٨٣٠
الذين يتحرون الإحسان إلى معاشريهم ومخالطيهم والمتصلين بهم ؛ فالتعبير بالمحسنين ؛ للإشارة إلى أن ذلك الواجب هو من قبيل الإحسان في المودة ، والإشعار بالقربى في وقت الانفصال ، ومنع الغضاضة والألم ، وتطييب القلوب ؛ وذلك لا ينافي الوجوب واللزوم . ولقد قال بعض العلماء : إن التعبير بالمحسنين يدل على أن المتعة غير واجبة ، وذلك لاعتقاده أن الإحسان تبرع غير واجب ، وكان ذلك حقا على المحسنين الذين يلزمون أنفسهم بما لا يلتزم به الناس . ولكن الظاهر غير ذلك القول ؛ لأن الإحسان لا ينافي الوجوب الذي دلّ عليه الأمر في قوله تعالى :
وَمَتِّعُوهُنَّ
وتأكد ذلك الأمر بقوله :
حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ؛
لأن الإحسان في ذاته : الإجادة والإتقان وتحرى الحق وأداؤه على الوجه الأكمل ، وذلك يتلاقى مع معنى الوجوب ؛ وقد ورد الإحسان في القرآن في معنى الواجب فقد قال تعالى عن نفوس الكافرين يوم القيامة :
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
( 58 ) [ الزمر ] أي يكون ممن يؤدون الواجبات كلها فيكون من المحسنين ، وذلك لا يتصور فيه معنى التبرع ، بل وفوق ذلك فإن قوله تعالى :
عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ،
يؤكد معنى الوجوب ؛ إذ فيه التعبير بعلى التي تفيد اللزوم ؛ وفيه أن المقل والمكثر عليهما أداء بطاقتهما ؛ ولو كانت المتعة تبرعا لأعفى منه المقل ، واستحسنت من المكثر . ومع أن المتعة واجبة إذا لم يكن ثمة مهر مسمى في العقد ، ولم يكن دخول ؛ فإن الشارع قد ترك تقديرها إلى نظر المطلق ، وتقديره وطاقته ، ولم يكن لها حد معلوم ؛ وقد قدرها الحنفية بكسوة كاملة للمرأة وهي لباس الخروج ، فإن المرأة تلبس عادة عند خروجها أكمل ثيابها ، وتركوا نوع الثياب إلى طاقة الرجل وتقديره ، واشترطوا ألا تقل عن خمسة دراهم ، وهي نصف الحد الأدنى للمهر عندهم ، وإذا اختلف الرجل والمرأة في تقديرها ، كان الحكم في ترجيح قول أحدهما على الآخر نصف مهر مثلها ؛ فإن كان أقل مما ادعى الزوج كان القول قوله ، وإن كان أكثر مما تدعى الزوجة كان القول قولها .