تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 813

مساهمون:

ص٨١٣
الذي يتعارفونه أجرا ، ويكون عطاؤه من غير ممانعة ، ولا مماكسة ، بل بالمعروف الذي لا يستنكره الناس وتقره العقول والأخلاق القويمة ، وهنا بحث لفظي في موضعين : أولهما : في قوله تعالى :
أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ
فإن استرضع كما قال الإمام الزمخشري منقول من أرضع ؛ يقال أرضعت المرأة الصبى ، واسترضعتها الصبى ، فهي متعدية إلى مفعولين ، كما يقال نجحت الحاجة ، واستنجحته الحاجة ؛ وفي الآية الكريمة قد حذف أحد المفعولين ، إذ المعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، وحذفه متسق مع السياق الكريم ؛ لأن الحذف يدل على العموم وعدم تخصيص مرضع دون مرضع ، فإنه عند إرادة الاسترضاع لا يتقيد الأب بواحدة دون الأخرى ما توافرت السلامة فيهن ، ولم ينل الطفل من إحداهن ضرر في جسمه أو خلقه أو أعصابه . الموضع الثاني : في قوله تعالى :
إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ
ففي قوله تعالى
آتَيْتُمْ
ثلاث قراءات : أولاها آتيتم بالمد ، وثانيها من غير مد مع ضم الهمزة ، وثالثتها ( أوتيتم ) والقراءات الثلاث تتلاقى في معنى واحد ، وهو إعطاء الأجرة بالمعروف أي المتعارف كما نوهنا ؛ وتخريجه على القراءة الأولى
ما آتَيْتُمْ
أي أردتم إيتاءه كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ . . .
( 6 ) [ المائدة ] أي أردتم القيام إلى الصلاة ، وعلى القراءة الثانية « ما أتيتم » أي مما أعطيتم من مال ، لأن أتى تستعمل بمعنى أحسن ، فيقال أتى إليه إحسانا إذا فعله ، وتكون متعدية ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
( 61 ) [ مريم ] . وعلى القراءة الثالثة ( أوتيتم ) أي أعطيتم المعنى واضح صريح فيها .
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
ذيّل الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة التي تبيّن واجب الآباء والأمهات نحو الأمانة التي سلمها الله لهم ؛ ليقدموها للمجتمع الإسلامي غرسا طيبا وجيلا قويا طاهرا ؛ ذيّل تلك الآية الحكيمة بالأمر بتقواه ، والتذكير بأنه علم بكل شئ علم المبصر الذي يرى ؛ إذ خلجات القلوب في علمه الأزلي المحيط ، كأنها المرئيات المبصرات .
زهرة التفاسير — صفحة 813 | محمد أبو زهرة