تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 811

مساهمون:

ص٨١١
وعلى ذلك يكون الوجوب تابعا لمقدار الميراث ، ولدرجة التوريث ؛ لأن الميراث هو السبب في الوجوب ، فيكون الوجوب مشتقا من درجته ومقداره وقوته . وفي هذا الكلام الحكيم تنظيم للعلاقات المالية بين الأسرة أو إشارة إليه ؛ فإنه يوضح أن الحقوق المالية في الأسرة متقابلة ، فمن كان له حق الميراث عليه واجب الإنفاق ؛ وكأن مال الأسرة شركة بين آحادها يتوارثون المال فيما بينهم ؛ ويتعاونون في الإنفاق فيما بينهم ؛ فالقادر ينفق على العاجز ، والغنى يمد الفقير بحاجته في موضع الحاجة . ولقد فهم الإمام أحمد بن حنبل من هذه الآية أن نفقة القرابة تسير مع الميراث وجودا وعدما ، وقوة في الوجوب ، وتقديرا له ؛ لأن الميراث جعل أساس الإنفاق بمقتضى نص الآية الكريمة
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ .
وقبل أن نترك الكلام في هذا نشير إلى معنى لفظي أشار إليه النص ، وهو قوله :
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ
فإنه أشار إلى أن الوجوب على الوارث هو وجوب بدلي ، أي أن الوارث قام فيه مقام الأب ، والوجوب الأصلي على الأب ؛ فقد قال في الوجوب على الوارث :
مِثْلُ ذلِكَ
فالتعبير بالمثل يشير إلى أن أصل الوجوب على الأب ؛ ولذلك قرر أن الأب لا يشاركه أحد في الإنفاق على ولده ، ولو كان يشارك الأب في الميراث من الولد غيره ، فلا تشارك الأب القادر غير العاجز الأمّ في الإنفاق إذا كانت غنية .
فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
تبين في سابق النص الكريم أن الحد بالحولين من حيث وجوب الإرضاع ووجوب الإنفاق ليس حدا لازما بل هو حد للكمال لمن أراد أن يتم الرضاعة كما صرح النص الحكيم ؛ ولذلك كان للأب والأم مجتمعين غير منفرد أحدهما ولا مستبد أن يفطما الطفل قبل هذه المدة ؛ ولذا سيقت الجملة السامية ،
فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
أي لا إثم عليهما إن فعلا ذلك ، والفصال هنا هو الفطام ؛ لأن الفطام يفصل الولد عن ثدي أمه ، ويفصله تدريجيا عن ملازمتها . وإن الفصال لا بد فيه من أمرين :
زهرة التفاسير — صفحة 811 | محمد أبو زهرة