الذي يجعله في دائرة المعقول ، وعند الحاجة إليه ؛ وبين معه طريق تفادى نتائجه من الفصم ، متى كانت ثمة ندحة ، أو متى كان هناك أمل في استئناف حياة زوجية سعيدة ، يعالج فيها كل واحد من الزوجين نفسه ، ويجعلها ملائمة لنفس صاحبه ، ويصلح من حاله وحال من معه ، متى كان ذلك في دائرة الإمكان .
بعد بيان ذلك النظام المحكم الوثيق الأركان ، أخذ سبحانه وتعالى يبين ما يجب على الرجال إذا كانت الفرقة ، وقد انشعبت القلوب ، ولم يكن سبيل للالتئام ، أو كان ثمة سبيل موصل إليه ؛ أي أن الآيات السابقة في بيان نظام الطلاق ، وهاتين الآيتين في بيان ما ينبغي اتباعه في معالجة نتائجه ، ليكون العدل والحق ، ولا يكون الجور والباطل ، أو الشطط والتهور . وقد قال سبحانه عزّ من قائل :
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ .
الأجل هنا : العدة ؛ ويصح أن يطلق على آخرها ؛ فإن كلمة أجل تطلق على المدة كلها ، كما تطلق على الزمن الذي تنته إليه ؛ فيقال : أجل الدين هو شهران ، ويقال : أجل الدين هو نهاية شهر كذا ؛ وكلا التفسيرين يصح أن يكون مرادا هنا ، والأقرب أن يراد به انتهاء المدة .
وبلوغ الأجل المراد به هنا قرب انتهاء العدة ، ومشارفة ذلك الانتهاء ؛ وذلك لأن الإمساك بالمعروف ؛ وهو المراجعة لا يمكن أن يتحقق إلا إذا فسرنا بلوغ الأجل بقرب انتهائه ؛ إذ لا معنى للإمساك بمعروف بعد انتهاء الأجل ؛ فإن المراجعة لا تكون بعد انقضاء العدة .
ولقد قال الراغب الأصفهاني في معنى البلوغ ما نصه :
( البلوغ والبلاغ : الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى ، مكانا كان أو زمانا ، أو أمرا من الأمور المقدرة ، وربما يعبر به عن المشارفة عليه ، وإن لم ينته إليه ؛ فمن الانتهاء
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً . . .
( 15 ) [ الأحقاف ] وقوله عزّ وجل :
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ
وأما قوله عزّ وجل :
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ . . .
( 2 ) [ الطلاق ] فللمشارفة ؛ فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها له ) .