ووقت الإمساك أو التسريح في هذا المقام ، مقام ذكر الطلاق ومراته ، هو ما بعد الطلقة الأولى أو الثانية ، أي أنه بعد إحدى هاتين الطلقتين ، إما إمساك بمعروف ، بمعنى رجعة على نية البقاء والإصلاح ، واطراح أسباب النزاع والخلاف ، والأخذ بالرفق والحسنى ، والعيشة الهنيئة الكريمة ؛ وإما تسريح بإحسان ، بمعنى تركها حتى تنته عدتها ، ويغنى الله كل واحد عن الآخر من سعته .
فكأن هذه الجملة السامية تشير إلى ما ينبغي أن يكون في فترة الروية والتفكير ، وهي الأجل المفروض الذي تتربصه المرأة بعد طلاقها ، بأن يفكر في ماضي أمره ، ويقدر عاقبة حاله إن أمضى الطلاق ؛ فإن رأى أن الحسنى في الإبقاء أبقاها على نية الإصلاح من شأنه ، والتقويم من معوجه ، والأخذ بالرفق ؛ وإن رأى أن الخير في التفريق فرق غير مجاف ولا مشاق ولا مضار ، كما قال تعالى :
وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا
( 49 ) [ الأحزاب ] .
وعلى هذا يكون الإمساك بمعروف والتسريح بالإحسان موضعه في هذا المقام هو في وقت النظر والتروية ، وإن كان الإمساك بالمعروف مطلوبا دائما .
ولقد قال بعض العلماء : إن المراد من التسريح بالإحسان هو الطلقة الثالثة ؛ أي بعد الطلقتين الأوليين يتروى في الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة الثالثة .
وعندي أن ذلك التخريج بعيد لوجهين :
أولهما : أن التسريح يكفى فيه بعد الطلقتين أن يسكت من غير مراجعة حتى تنته عدتها ، ولأن الترديد بين الإمساك بالمعروف ، والتسريح بالإحسان لا يكون إلا في وقت يجوز فيه الأمران ، والأنسب في ذلك ما بعد الطلاق ؛ وهو المراجعة أو تركها ؛ وليس المناسب في ذلك هو إرداف الطلاق بالطلاق ؛ إن ذلك لا يكون فيه تسريح بإحسان ، بل فيه تضييق على نفسه وظلم لها ، إذ قطع السبيل ، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . وفوق ذلك فيه مجافاة ومبالغة فيها بإيقاع طلاق ثان من غير حاجة إليه .