ثانيهما : قوله تعالى بعد ذلك :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . . .
( 230 ) [ البقرة ] فإن هذه الطلقة الثالثة ، ولو كان التسريح بإحسان هو الثالثة لكانت هذه رابعة ، ولم يقل ذلك أحد .
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
إذا كان الفراق بين الزوجين يجب أن يكون مصحوبا بالإحسان والرفق ، وألا ينسوا الفضل بينهم ، فلا يصح أن يأخذ شيئا مما آتاها من مال ؛ لأن ذلك يكون مجافاة لا إحسانا ؛ ولأن ذلك يكون ظلما لا عدل فيه ؛ ولقد قال سبحانه وتعالى :
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
( 20 ) [ النساء ] .
وقال تعالى :
وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ . . .
( 19 ) [ النساء ] .
وإن أخذ شئ حرام بلا ريب عند الفرقة ، وإن الحرمة سببها ألا يجمع على المرأة أمرين كلاهما مؤذ لها ؛ أولها الفراق الذي لا تريده ، وثانيهما استرداد ما وهب . وقد يقول قائل : إذا طابت نفسها بذلك فلما ذا لا يأخذ ؟ فنقول : إذا كان طيب نفسها من غير نشوز منها ، والبغض منه هو الذي رغب في الطلاق وأراده ، فإن ذلك مكارم أخلاق منها ، وفساد نفس منه ، ومثل ذلك لا يكون حلالا ؛ وليس من ذلك قوله تعالى :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
( 4 ) [ النساء ] لأن هذه الآية موضوعها حال قيام الزوجية ، كما أنه ليس منه قوله تعالى :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى . . .
( 237 ) [ البقرة ] لأن تلك الآية موضوعها الطلاق قبل الدخول الذي يسقط نصف المهر ، فإنهما لم تقم بينهما عشرة زوجية ، فسوغ العفو منها إذا لم تكن قد قبضت شيئا ، أو قبضت دون نصف المهر ؛ وسوغ العفو منه إن كانت قد قبضت أكثر من النصف ؛ ولذلك لم يكن في ذلك أخذ لما أعطى عند عفوها ، بل إسقاط لما يجب ، وعساه يكون في عسرة ، وعسى أن يكون ذلك سبب الفراق ولم يكن منه أخذ ، ولكن كان منها إسقاط ، فلا ظلم ولا بهتان .