وإن ذلك التخريج يستقيم في ذاته ، ولكن قرن بالآية الكريمة بعد ذلك . قوله تعالى :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . . .
( 230 ) [ البقرة ] فدل هذا على أن المراد حقيقة التثنية ، لأن بعد الثانية الثالثة .
ولذلك نختار التخريج الثاني ، وهو أن الطلاق في قوله تعالى :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
أل فيه للعهد الذكرى ، أي الطلاق المشار إليه في قوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . . .
( 228 ) [ البقرة ] فالطلاق المذكور هو الذي يكون فيه للزوج حق مراجعة زوجته فيه ؛ فالسياق يكون لبيان الطلاق الذي تبقى معه عصمة الزوجية ؛ ولذلك قال بعد ذلك :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . . .
( 230 ) [ البقرة ] فهو ذكر حكم المرتين ، ثم ذكر من بعد ذلك حكم الثالثة ، وتكون التثنية على هذا التخريج المستقيم من كل الوجوه على حقيقتها لا لمجرد التكرار .
ومهما يكن السياق ، فإن قوله تعالى :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ ،
يستفاد منه أن الطلاق لا يقع العدد به مرسلا دفعة بل هو دفعات ومرات ، وكل واحدة منها يتخللها رجعة أو عقد جديد ؛ وذلك ليتحقق المقصد الحكيم الذي قصد إليه الشارع من عدد الطلاق ، وإعطاء فرصة المراجعة بعد كل طلاق نحو ثلاثة أشهر ، ثم تكرار تلك الفرصة ، حتى إذا كانت الثالثة فصم ذلك العقد الذي أصبح بقاؤه شرا ،
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ . . .
( 130 ) [ النساء ] ، وأصبح من الضروري أن يكون ثمة تجربة قاسية ، عساها تصلح من قلب الناشز منهما .
وذلك ما فهمه السلف الصالح ، فما كان الطلاق يقع دفعة واحدة ، بل كان يقع دفعات ، لكيلا يقطع الرجل السبيل على نفسه ، ولكيلا يتعدى حدود الله ، وكما قال الله تعالى في هذا المقام :
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
( 1 ) [ الطلاق ] ؛ فلعل الله في مدة العدة أو بعدها إذا طلق واحدة ، أو اثنتين على دفعتين ، أن يحدث أمرا بإحلال المودة محل العداوة ، والرحمة محل البغضاء ، فتستأنف حياة زوجية هنيئة سعيدة .