تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 774

مساهمون:

ص٧٧٤
إنه قد اتفق عليه أئمة الفتوى ، وكأن غيره من الأقوال من شواذ الفتيا الذي لا يلتفت إليه وقد استندوا إلى الأخذ بفتوى عمر ، وادعوا أن الإجماع قد انعقد عليه ، ومن المؤكد أن طائفة كبيرة من الصحابة كانت على ذلك الرأي ، وما كان لمثلهم أن يقولوا ما يخالف ظاهر القرآن من غير سند من حديث صح عندهم ، والآية الكريمة تبين ما ينبغي ، ولا تبين بطلان سواه ، وأنه لا يقع إلا ذلك النوع من الطلاق « 1 » .
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
الإمساك بالمعروف هو العشرة الحسنة ، والمعاملة الرفيقة بأهله ؛ فالمعروف هو الخلق الفاضل الذي تعرفه العقول السليمة ، وتدركه الفطر المستقيمة ، وتعالج به النفوس ، وتطمئن به القلوب والتسريح إرسال الشئ وتفريقه ؛ ولذلك يقال سرح الشعر ، أي فصله وفرقه ليخلص بعضه من بعضه ، ويقال سرّح الماشية ، أرسلها وفرقها في المرعى . ولا شك أن لفظ التسريح بإحسان يتضمن مع ما يشتمل من معنى التفريق والإرسال ، معنى الرفق في التفريق ، فلا يفرق بعنف ، وحرج للنفوس ، وخدش للمروءة ، ولمكارم الأخلاق ، بل يفرق في رفق وعطف ، من غير حرمان ، بل بإعطاء من غير منع ، كما قال تعالى في هذا المقام :
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ . . .
( 237 ) [ البقرة ] فالإحسان في هذا المقام ، بمعنى الرفق والعطف والتسامح المادي والمعنوي ، فهو من أحسن إليه ، بمعنى أسدى إليه خيرا ، أو أدى معروفا ، أو أعطى عطاء .
هامش
( 1 ) قال المصنف رحمه اللّه : الأقوال بالنسبة للطلاق بلفظ الثلاث ثلاثة : أولها : قول الأئمة الأربعة أنه يقع الثلاثة ، وقد اعتمد ذلك الرأي على قول عمر ومن معه من الصحابة . وثانيها : قول بعض الشيعة إن الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث لا يقع به شئ ؛ لأنه بدعة ، فهو جاء على خلاف المنهاج الذي سنة القرآن ، وسنه النبي صلى اللّه عليه وسلم للطلاق ، والطلاق إنما ثبت في الحدود الشرعية التي جدها الشارع ، وما جاء على خلاف ما حده فهو باطل مهما يكن العدد . القول الثالث : إن الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث لا يقع إلا طلقة واحدة ، وهذا رأى بعض الشيعة ، ورأى ابن تيمية وابن القيم وبعض الظاهرية وغيرهم ؛ لأن الطلاق الموصوف بالثلاثة لا يكون إلا مرة واحدة بنص الآية ، وما دام مرة واحدة فهو يقع واحدة . وقد اختار القانون المصري ذلك الرأي في القانون رقم 25 لسنة 1929 ( راجع في هذا الموضوع كتاب « الأحوال الشخصية » وكتاب « ابن تيمية » للمؤلف ) .