تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 759

مساهمون:

ص٧٥٩
( ه ) واحتاط الشارع الإسلامي خامسا فسوغ لهما أن يستأنفا حياة زوجية جديدة ، إن عادت القلوب النافرة ، واستقامت على الحق ، وندم كل واحد على ما فرط منه في جنب صاحبه . فإن تكرر الطلاق من بعد ، تكررت الاحتياطات السابقة ، فإن كانت الثالثة فهي التحريم المؤقت ، حتى تكون التجربة القاسية بزواجها من رجل آخر زواجا صحيحا للدوام والبقاء وقيام العشرة الزوجية الجديدة ثم انتهائها بأي سبب من أسباب الإنهاء الشرعية الصحيحة ، فإنها بعد ذلك تحل لزوجها الأول ، وقد صقلته التجربة وصقله البعد ، والله عليم بذات الصدور . ولقد سقنا هذا القول في مقدمة تفسير هذه الآيات الكريمة المشتملة على أحكام الطلاق ؛ لأن ذلك القول خلاصتها ، وهو مرماها ، ولنضع الأحجار في أفواه الذين يعيبون أحكام الطلاق في القرآن ، وهي أحكام قد اشتقت من الفطرة وطبيعة الحياة الزوجية ، والاحتياط لها ما أمكن الاحتياط ولم يكن شئ منها معروفا من قبل ، ولم يصل العقل البشرى لأدق منها وأحكم من بعد ؛ إنها شريعة اللطيف الخبير .
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
التربص معناه : التأنى والانتظار ، وقد قال بعض العلماء أنه مقلوب التصبر ، فهو تكلف الأناة ، وتكلف الانتظار مع صعوبة الاحتمال ، كما هو الشأن في أمر الصبر والتصبر ، وسواء أصح ذلك القول أم لم يصح ، فالتصبر والتربص متلاقيان في المعنى ، ومتشابهان في اللفظ . والتعبير « يتربصن » يدل على الأمر ، وهو الطلب اللازم المؤكد ، وإن كانت الصيغة في ظاهرها صيغة خبرية ، وقد قرر الخبراء بالبيان العربي أن أوكد الصيغ دلالة على اللزوم الموثق : الصيغ الخبرية التي تساق للطلب ، مثل
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ . . .
( 233 ) [ البقرة ] ، ومثل هذه الآية الكريمة التي نتكلم في معناها ، ولكن مع ذلك لما ذا كان النسق البياني