القلوب بعد مودتها ، وتنفصم عروتها ، فهل يبقى المثل السامي للزواج وهو الاستمرار ولا يلتفت إلى النفرة المستحكمة والعداوة المسيطرة ، ونيران البغضاء الملتهبة ؟ لذلك اتجه الإسلام إلى علاج تلك الأدواء القائمة والطب لها ، فلم يكتف بالمثل العليا يعلنها ويدعو إليها ، بل اعترف بالواقع وعالجه ، وطب للأسقام ، فكان دين الحقائق الثابتة ، والسمو النفسي .
والنزاع بين الزوجين أمر يقع ، مهما يكن الزوجان ، ومهما تكن درجة كمالهما ، وقد كان نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم يختلفن معه في الشأن الذي يربط بينهما ، بمطالبته بما ليس عنده ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم الأسوة الحسنة لقومه وأمته في أخلاقه ومعاملته لأهله ، في الغضب والرضا ، وفي الوفاق وفي الخلاف ، ولكن أنى يكون للناس أخلاق النبيين ، والوحي ينزل عليهم من السماء ، ونفوسهم علت إلى الملكوت الأعلى ولقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلى » « 1 » .
ولقد دعا الإسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة بينهما تسير في غير طريق المودة ؛ ولذا قال تعالى :
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
( 128 ) [ النساء ] .
ودعا الزوجين من له بهما صلة أن يتدخلوا عند الشقاق بينهما أو عند خوفه ، بأن يحكموا حكمين عند خوف الشقاق وتوقع النزاع ؛ ولذا قال تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً
( 35 ) [ النساء ] .
وإذا تعذر الإصلاح ولم يمكن التوفيق وصار الأمر نيرانا ، ولم يكن سلاما كان لا بد من التفريق ؛ ولذا قال سبحانه :
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً
( 130 ) [ النساء ] .
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة : النكاح - حسن معاشرة النساء ( 1967 ) عن ابن عباس - رضي الله عنهما .