ولقد بين سبحانه وتعالى الأمر ، ووثق البيان ، فنهى عن الأيمان إن حلف وكان الاستمرار على البر باليمين ظلما ، وذكر العقوبة الرادعة لمن يعمد إلى مكايدة أهله ، والإساءة إليها والإضرار بها إن استمر في غيه ولم يسلك الطريق الذي بينه رب العالمين للخروج من تبعة اليمين ، وهو تحلتها ، وهي الكفارة .
وفي بيان الأمر الأول قال سبحانه وتعالى :
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ
العرضة بضم العين : تطلق على النصبة التي تتعرض للسهام ونحوها ؛ وأطلقت على كل ما يتعرض للأشياء والأمور ويكون هدفا لها فيقال : فلان عرضة للسفر أي متعرض له .
وتطلق العرضة على القوة وعلى الهمة ؛ ومن ذلك قول بعض الشعراء في مدح الأنصار : « والأنصار عرضتها اللقاء » وتطلق العرضة على الحاجز الذي يحول ويمنع .
واليمين تطلق بمعنى الحلف والقسم ؛ وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا وثقوا عهودهم بالقسم يقسمونه ، وضع كل واحد من المتعاهدين يمينه في يمين صاحبه وأطلق على القسم كلمة اليمين ؛ وتطلق اليمين على الأمور المحلوف بها ؛ ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفّر عن يمينك » « 1 » .
وكلمة العرضة في الآية الكريمة يصح أن تكون بمعنى القوة ؛ والمعنى عليه لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم التي تمتنعون فيها عن أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ، أي لا تتخذوا من قسم الله سبيلا للامتناع عن فعل الخير .
ويصح أن تكون العرضة بمعنى المعرض للأمر كقول القائل : ( فلا تجعلونى عرضة للوائم ) ويكون المعنى على هذا كما قرر الزمخشري : لا تجعلوا الله سبحانه وتعالى معرضا لأيمانكم فتبتذلوا القسم بالله بكثرة الحلف ؛ وذلك لكي تبروا وتتقوا وتصلحوا ؛ وذلك لأن من يكثر الحلف يكون مهينا بين الناس ، كما قال تعالى :
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الأيمان والنذور قول الله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) ( 6132 ) ، ومسلم : الأيمان - ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ( 3120 ) ] .