وضوح وقصد إلى المعاني من غير خطأ في الفهم ، ولا غموض في الموضوع ؛ وأي قارئ يقرأ كلمات :
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ،
ولا يفهم منها النهى عن الحال التي يتقضاها الطبع في الأحوال الاعتيادية ، وأن النهى موقوت بذلك الوقت المعلوم .
والقراءة المشهورة هي بفتح الراء في
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ
وبضم الهاء
يَطْهُرْنَ
من غير تشديد الطاء . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية المفضل :
يَطْهُرْنَ
بفتح الهاء ، وتشديد الطاء .
ويذكر العلماء في مادة « قرب » أن هذا الفعل من باب كرم ، ومن باب فرح ، فيقال قرب يقرب ، ويقال قرب يقرب ، والأول لازم والثاني متعد ، والمعنى فيهما مختلف ؛ فالأول يكون بمعنى الدنو ، والثاني كذلك ، ولكنه غلب في العرف أنه مجاز عن اللبس أي الاتصال بالشئ ؛ ومن ذلك قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ . . .
( 152 ) [ الأنعام ] وقوله تعالى :
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا . . .
( 28 ) [ التوبة ] أي لا يدخلوه وكذلك قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ .
وقوله تعالى في القراءة المشهورة يطهرن يكون معناها انقطاع الدم ؛ لأنه إذا كان سبب الأذى هو الدم ، فانقطاعه طهور منه ، فهو وصف وحال قائمة بالمرأة تثبت عند انقطاع الدم لزوال سبب النجاسة . وأما قراءة يطّهرن ، فمعناها يغتسلن ؛ لأن التطهر غير الطّهور ، إذ هو فعل من المرأة نفسها منسوب حدوثه إليها ؛ فهي التي تنشئه لا أنه حال طهر يعود بعد زوال سبب النجاسة المؤقتة .
هذا تفسير بعض العلماء ، وبه أخذ الحنفية . وقال آخرون وعلى رأسهم شيخ المفسرين ابن جرير الطبري : إن القراءتين في معناهما واحد ، وهو التطهر ، فلا تعد طاهرة إلا بالاغتسال ؛ وهذا ما سلكه جمهور الفقهاء غير الحنفية .
وقد انبنى على ذلك الخلاف في التفسير خلاف فقهى ؛ فالحنفية قالوا : إنه بمجرد انقطاع الدم إذا كان الانقطاع لأقصى مدة الحيض وهو عشرة أيام تحل المباشرة ولو قبل الاغتسال أخذا بالقراءة المشهورة وهي قراءة
يَطْهُرْنَ
لتأكد زوال الدم ،