أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ
وازن سبحانه وتعالى بين الزواج من المؤمنة والزواج من المشركة ، والزواج من المؤمن والزواج من المشرك ؛ وكانت الموازنة من حيث الخيرية في كل جانب ؛ فكان خير المشركين والمشركات حسيا ماديا ، والمنفعة فيه عاجلة غير باقية ؛ وكان الخير في جانب المؤمنين والمؤمنات نفسيا وروحيا والمنفعة فيه باقية غير سريعة الزوال ، وتتناسب مع عقد الزواج وهو عقد الحياة الذي يمتد بامتدادها ؛ وانتهت الموازنة بأن المؤمنة ولو كانت أمة خير من المشركة ولو كانت نسيبة حسناء ؛ وبأن المؤمن ولو كان عبدا خير من المشرك ولو كان حسيبا نسيبا ونهدا قويا .
وفي هذه الجملة السامية يبين سبحانه مغبة السوء في الزواج بالمشركين والمشركات ، فقال سبحانه :
أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
أي أن أولئك المشركين والمشركات إذا كان فيهم ما يستهوى الراغب في الزواج منهم من نسب رفيع ، وجاه عريض ، ومال وفير ، وجمال ومنصب ، فهم بهذه الأوصاف الدنيوية التي تستهوى النفوس الضعيفة إذا كان معها الشرك بالله وعبادة الأوثان ، يدعون إلى الإقدام على أسباب النار في الآخرة والعذاب الأليم فيها ؛ فإن الاستهواء المادي للنفس الضعيفة ، والخلطة المستمرة بين الزوجين ، والاتصال الدائم بينهما ، كما قال تعالى :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ . . .
( 187 ) [ البقرة ] إن هذه الأمور كلها من شأنها أن تسهل قبول المسلم أو المسلمة لما عليه المشرك من عادات جاهلية ، وأخلاق وثنية ؛ تبتدئ تلك المفاسد بالسريان إلى النفس بالسكوت عنها ، ثم بالرضا عن فاعلها ؛ ثم بالرضا عن فعلها ، ثم باستحسانها ؛ وأول الشر استحسانه ؛ وبذلك تنحل عرى الإسلام في نفس المسلم عروة عروة ، حتى لا يبقى من الإسلام إلا الاسم والرسم ؛ وهما لا يغنيان عن حقيقته شيئا ! .
وكلما كانت عوامل الإعجاب أكثر ، كانت عوامل التأثير والدعوة أشد وأقوى ؛ فإذا كانت مسلمة تحت سلطان رجل مشرك له فضل سطوة وجاه ومال وقوة ونسب وله جمال وهمة وإقدام ، فإن تلك العوامل كلها تؤثر في نفسها شيئا فشيئا