الصحراء ، يأوى الرجل إليها بعد التعب واللغوب ، فلا يصح أن يكون مناط الاختيار هو الجمال ولا النسب فقط ، ولا هما معا من غير أن يكون إيمان وخلق واطمئنان نفس وعلو إدراك وأمانة ، وحسن عشرة ولطف مودة ، والمؤمنة ولو كانت أمة لا تثير الإعجاب بمنظرها فيها تلك الخصال الكريمة ، فهي عالية المدارك ؛ ولذا هجرت الشرك إلى الإيمان ، وفيها حسن عشرة ومودة وخلق ، واستمساك بالأمانة والفضيلة وبعد عن الخيانة والرذيلة ، وقد كوّن ذلك كله الإيمان .
أما المشركة ولو كانت جميلة نسيبة فإنها في غالب أحوالها لا تتوافر فيها عوامل بقاء الحياة الزوجية ؛ فهي مستعلية بنسبها ، مزهوة بجمالها ، لا عاصم من دين يعصمها عن الغواية ، ولا مانع من خلق يمنعها من الخيانة ، وليست عالية المدارك ، بدليل أنها بقيت على الشرك مع قيام البينات على التوحيد شاهدة معلمة موضحة مبينة ؛ وكيف يلتقى قلبان قلب يعبد الواحد القهار ، وقلب يعبد الأوثان وليست المفاضلة بينهما في المنفعة التي تعود على العشير فقط ، بل المفاضلة من حيث أثرهما في ثمرة هذا الزواج ، وهما الأولاد ؛ فالمشركة تغذى طفلها بالأوهام ، والمؤمنة تربيه على الإيمان ؛ والمشركة تضع في نفسه بذور الفساد والانحلال ، والمؤمنة تغرس في قلبه غرس الفضيلة والاستمساك بالعروة الوثقى ؛ فالطفل بين المسلم والمشركة ينشأ حائر النفس ، مضطرب الوجدان ، سقيم الضمير ؛ بينما أولاد المؤمن والمؤمنة ينشئون على خلق قوى ، ووجدان مستقيم ، وقلب سليم .
وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ
وإذا كان زواج المؤمن من المشركة حراما فتزويج المؤمنة من المشرك حرام أيضا ، بل إنه أشد تحريما إذا كان التحريم مراتب ؛ لأن في الزواج نوع ولاية من الرجل على المرأة ، بدليل أن له حق تأديبها إن خرجت عن جادة الحق من غير تبريح ولا اعتداء ، ولا قصد إلى الإيذاء ؛ ولذلك نهى الله سبحانه وتعالى عن أن يزوج الأولياء نساءهم من مشركين . والإنكاح كما قلنا تزويج الإنسان غيره .