حاكيا عن موسى عليه السلام
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
( 32 ) [ طه ] وفي الحديث النبوي : « اللهم أشركنا في دعاء الصالحين » .
ومن هذا الباب أطلقت كلمة « إشراك » على عبادة غير الله معه ؛ لأن من فعل ذلك فقد أشرك مع الله غيره في العبادة والتقديس والألوهية ؛ وألفاظ القرآن الكريم الدالة على ذلك كثيرة جدا ، ولا تكاد تحصى ؛ ولكثرة استعمال القرآن هذا اللفظ في هذا المعنى كان لكلمة « مشرك » إطلاق خاص فيه ؛ وهو إطلاقه على من يعبد الأوثان ؛ فكلمة : مشرك ، ومشركين ، ومشركات ، كلها إذا ذكرت في القرآن انصرفت إلى عبدة الأوثان من غير أية قرينة دالة على ذلك ؛ لأنها صارت في الإسلام حقيقة عرفية عليهم ؛ ولا تطلق على اليهود والنصارى ؛ وإن قال الله سبحانه عن النصارى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ . . .
( 73 ) [ المائدة ] وعن اليهود :
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ . . .
( 30 ) [ التوبة ] إذ صار لفظ المشركين اسما لجنس معين ؛ ولذا كان يذكر النصارى واليهود بعنوان أهل الكتاب ، وعبدة الأوثان باسم المشركين ؛ فقد قال تعالى :
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
( 1 ) [ البينة ] فذكر في هذه الآية الكريمة الجميع بعنوان الكفر ؛ ولكنه فصل بينهما ، فجعلهما جنسين مختلفين ، وإن ذلك أدى إلى الاختلاف في المعاملة ، والاختلاف في الأحكام ؛ وكانت العلة في هذا الاختلاف مشتقة من التسمية نفسها ؛ فأولئك لهم كتاب ، وإن كان محرفا ؛ والمشركون ليس لهم كتاب ، فلا ضابط يضبطهم ، ولا عاصم يحول بينهم وبين الإيغال المطلق في الشر ، ولا حريجة دينية تقيدهم ، بل هم حائرون بائرون .
وعلى هذا التحقيق اللغوي يتبين أن قوله تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
لا يدخل في عموم النهى إلا الوثنيات ولا يدخل فيه قط الكتابيات ، لأن الحقيقة العرفية القرآنية لا تدخل اليهود والنصارى في عنوان المشركين ، ولا في عموم الوثنيين ، وإن كانوا مثلثين . ولقد قال بعض المفسرين : إن كلمة المشركات تشمل بمقتضى عمومها الكتابيات ؛ لأنهن يشركن بالله في العبادة ، ويثلثن ، ولكن جاء بعد ذلك النهى العام إباحة زواج الكتابيات في قوله تعالى :
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ