وبعد أن أشار إلى الأذى والوقاية منه ، والداء ودفعه ، أخذ يبين أسس البناء الاجتماعي الفاضل ، وابتدأ من هذه الأسس بالقاعدة التي يشاد عليها البناء ، والوحدة التي يتكون منها البنيان ، والتي إذا قويت فيها الروابط قوى ، وشد بعضه بعضا ؛ وتلك القاعدة هي : الأسرة ؛ فهي وحدة البناء الاجتماعي ، وقاعدة كل بناء فاضل ، وفيها تتربى كل المنازع الاجتماعية الفاضلة .
ولقد ابتدأ من أحكام الأسرة ونظمها الإسلامية الفاضلة بالانتقاء في ركنيها ؛ وهما الزوج والقرينة ؛ فإنه إن كان الاختيار فيهما حسنا كانت العلاقة موثقة بروابط المودة والرحمة والإخلاص ، كما قال تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً . . .
( 21 ) [ الروم ] .
ولقد ابتدأ ببيان أساس الاختيار وهو التدين ، فقال تعالت كلماته :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
عندما ابتدأ النبي صلى اللّه عليه وسلم بدعوته ، وانبعث في مكة نور هدايته ، كان أكثر المؤمنين ، من الضعفاء غير ذوى الجاه والنسب والحسب ، والأقلون كانوا كذلك ، وكل المعاندين أو جلهم من أوسط قريش نسبا ، وقالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم مثل مقالة الكفار الذين سبقوهم لأنبيائهم :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . . .
( 27 ) [ هود ] . ولما قويت شوكة الإسلام ، كثر دخول ذوى الأنساب فيه شيئا فشيئا ، وإن كانوا مع ذلك قلة من قريش ، وكان أولئك بمقتضى نسبهم الرفيع يرون في بنى أعمامهم من قريش الكفاءة النسبية في الزواج ، وربما كان فيهم بعض الميل لمصاهرتهم ، بل كان من بعضهم فعلا من أبدى رغبة في المصاهرة ؛ فجاء النهى القرآني عن نكاح المشركات ، حتى يؤمن .
والنكاح في أصل معناه اللغوي : الضم ، وتداخل أجزاء الشيء بعضها في بعض ، ثم أطلق على العقد الذي يحل علاقة الرجل بالمرأة ، وعلى العلاقة التي تكون بينهما بما يتقاضاه الطبع « 1 » ؛ وإطلاقه بمعنى العقد إطلاق معروف قبل
هامش
( 1 ) قال الشيخ رحمه الله : يختلف فقهاء الحنفية وفقهاء الشافعية في قضية الحقيقة والمجاز في كلمة النكاح ؛ فيقول الحنفية : هو مجاز في العقد حقيقة في الوطء ، ويقول الشافعية : هو مجاز في الوطء حقيقة في