تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
أي حرمة ويتمسحون بالشهر الحرام والقتال فيه ، فيعيبون ناسا اضطروا إلى القتال غير قاصدين ، وقد ارتكبوا هم معهم المنكر والزور . وإخراج أهل المسجد منه ، فإن إخراج الآمنين من مستقرهم جريمة كبيرة ، وإخراج الساكنين حول البيت أكبر جرما وأعظم إثما ؛ لأنه اعتداء عليهم ، واعتداء على البيت واعتداء على الأمن الذي بقي لهم من شريعة إبراهيم عليه السلام ، إذ قال :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
( 35 ) [ إبراهيم ] فهم تعدد اعتداؤهم عليه : فأزالوا الأمن الذي أوجبه الله ، ووضعوا حوله الأصنام ، وأخرجوا أهله منه . هذه الأمور الأربعة كلها جرائم متتالية ، وكل واحدة منها جريمة بذاتها ، ولكنها في مجموعها تساوى جريمة واحدة قائمة بذاتها وهي الفتنة في دين الله ، ولذلك خصها الله سبحانه وتعالى بالذكر كأنها وحدها تساوى الكل أو تزيد وهي مبعث أكثرها ، فقال سبحانه :
وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ .
فالفتنة في دين الله ، بإنزال الشدائد بالمؤمنين ليحملوهم على ترك دينهم وتضليلهم وصرفهم عن الحق الذي اختاروه بالمحن والشدائد ، وتوهين نفوس الضعفاء ليرتدوا عن دينهم . وأصل اشتقاق كلمة الفتنة من الفتن ، وهو إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ، واستعمل في إدخال الإنسان النار ، قال تعالى :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 ) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ . . .
( 14 ) [ الذاريات ] أي عذابكم ، وتستعمل الفتنة في الاختبار ومن ذلك قوله تعالى :
وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً . . .
( 40 ) [ طه ] وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء ، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا ، وقد جاء فيهما قوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً . . .
( 35 ) [ الأنبياء ] . وقال في الشدة :
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ . . .
( 102 ) [ البقرة ]
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ . . .
( 191 ) [ البقرة ] « 1 » .
هامش
( 1 ) جاء في الهامش : مفردات القرآن للراغب الأصفهاني - فتن .
زهرة التفاسير — صفحة 689 | محمد أبو زهرة