تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 676

مساهمون:

ص٦٧٦
في مقام الفعلية فلم يقل ستنصرون ، والتعبير بالجملة الاسمية دليل على التوكيد ؛ وفيه أداة الاستفتاح ؛ وفيه « إن » الدالة على التوكيد ؛ وفيه إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على كل شئ
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
( 40 ) [ الحج ] . والرسول في الآية الكريمة للجنس ، أي أن هذه الحال هي حال عامة تعرض لكل رسول من الرسل في قومه إذ يدعوهم إلى الحق ؛ وإن قصص القرآن عن النبيين ينبئ عن ذلك ؛ فموسى عليه السلام آذاه وأصحابه فرعون حتى قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وصلبهم في جذوع النخل ؛ وعيسى عليه السلام آذوه هو ومعه الحواريون ؛ ومن قبل إبراهيم ولوط ونوح ؛ وهكذا أهل الحق لا يصلون إلى الغاية الفاضلة إلا بعد أن يقطعوا كل ما يلقيه في طريقهم أهل الباطل من أحجار تدعثره ، وأشواك تعوق السالك فيه . ولقد قال العلماء : إن هذه الآية نزلت بعد أن أصاب المسلمين القرح في أحد ، فكانت هذه الآية للتسلية لهم ؛ ولكن الذي نزل في غزوة أحد هو قوله
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
( 142 ) [ آل عمران ] بدليل ما قبلها ، وهو قوله تعالى :
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ . . .
( 140 ) [ آل عمران ] ؛ ولذلك يرجح أكثر العلماء الذين عنوا ببيان أسباب النزول أن هذه الآية نزلت عند غزوة الأحزاب ، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من جهد ومشقة ، وهم يحفرون الخندق ، ثم أصابهم من تهديد في الأموال والأنفس عندما جاء أولئك الأحزاب مجتمعين ؛ كما قال الله تعالى :
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
( 10 ) [ الأحزاب ] . ومهما يكن من سبب لنزول هذه الآية الكريمة فإنها تدل على أن أهل الحق في مغالبة دائمة ، وأنهم لا ينتقلون من شدة إلا إلى أعلى منها حتى يفوزوا ؛ فإن الشيطان من يوم أن وسوس لآدم وحواء وأخرجهما من الجنة ، وأبناؤهما في بلاء : تستغوى الشهوات جموعهم ، فيندفعون فيها مجترعين من عسلها الوبيء ، ثم يلغون
زهرة التفاسير — صفحة 676 | محمد أبو زهرة