ومن هذا التحقيق ، وتتبع الآيات الكريمات ، تبين أن معنى « أمة » الطائفة التي يجمعها أمر ، ويربط بينها وصف جامع ؛ فقوله تعالى :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
أي كان النسا على اختلاف أجناسهم وأقاليمهم وألوانهم أمة واحدة ، أي تجمعها رابطة واحدة ، ووصف مشترك يوحد بينهم جميعا ، مهما تختلف المنازع وهنا يتطلع العقل لمعرفة ذلك الأمر الذي اشترك الناس جميعا فيه ، فكانوا بذلك الاشتراك أمة واحدة ثم إلى ما تدل عليه كلمة « كان » أهو الدلالة على الماضي من غير استمرار ، بمعنى أن ذلك الوصف الجامع كان في الماضي وانته وانقطع ، أي أن الناس في الماضي كانوا أمة واحدة ، وفي الحاضر والاستقبال زال ذلك الوصف عنهم ، أو على الأقل في حكم المسكوت عنه ، والحكم على الماضي يشمل الحال والاستقبال ؛ أم أن مدلول كان هو الوجود والاستقرار ، فتدل على الوقوع في الماضي يشمل الحال والاستقبال ، فتدل على وقوع في الماضي والاستمرار في الحاضر ، والبقاء إلى المستقبل ككان في قوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 70 ) [ الفرقان ] .
هذان هما الأمران اللذان يعدان مجال القول ، عند تفهم مدلول تلك الجملة السامية :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
فلنقصد لذكر أقوال العلماء فيهما ، وهي في نظرنا ترجع إلى ثلاثة أقوال :
أولها - أن الوصف الجامع الذي كان يجتمع الناس جميعا عليه هو أنهم كانوا مهديين ، وعلى الفطرة المستقيمة التي فطر الله الناس عليها ؛ وقد اختلف العلماء في نوع هذه الهداية وأسبابها ؛ والذي نختاره ما أشرنا إليه من أنها هداية الفطرة ؛ « وكان » تكون للماضى ولا يستمر الحكم بها في الحاضر ، ولا يمتد إلى القابل .
ويكون على هذا التخريج لا بد أن يقدر ما يدل على زوال وصف الهداية ، حتى تكون الحاجة إلى بعث الله النبيين ؛ ولذلك قال العلماء : إن معنى الآية على هذا التخريج : كان الناس أمة واحدة مهديين فاختلفوا ما بين ضال ومهتد ، فبعث الله النبيين بالكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .