وإن اختصاص شهر رمضان بالصوم ؛ لأنه نزل فيه القرآن فيه تذكير بمبدإ الوحي ، واحتفال بأكبر خير نزل في الأرض وهو بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه نور الأرض وإشراقها ، والاحتفال به احتفال بنعمة الهداية ، ونعمة الخروج من الظلمات إلى النور ، ونعمة إرسال نبي الرحمة ، فقد قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) [ الأنبياء ] .
ولقد ذكر فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير ما خلاصته : إنه في شهر رمضان نزلت هداية الله تعالى من السماء إلى الأرض فناسب ذلك أن يفرض فيه الصوم ؛ لأن الصوم فبما فيه من إمساك عن شهوتي البطن والفرج ، وفيه علو من الأرض إلى السماء بالتجرد الروحي الذي كان في الصوم ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا الشهر الذي هو احتفال بذكرى البعث المحمدي : « إن الله تبارك وتعالى فرض عليكم صيام رمضان ، وسننت لكم قيامه ، فمن صامه وقامه احتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » « 1 » .
وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه هدى للناس ، فقال :
هُدىً لِلنَّاسِ
أي حال كونه هاديا للناس ؛ لأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، وهو معجزة الله تعالى الكبرى وهو بهذا هداية وتوجيه إلى مقام الرسالة المحمدية ، وهو مع ذلك فيه آياته البينات ؛ ولذا قال تعالى :
وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى
أي أن آياته بينات واضحة من الهدى وهو الشريعة التي جاء بها ، والفرقان أي الأمر الفارق بين الحق والباطل ، والظلم والعدل والشورى والاستبداد ، والإصلاح والإفساد ، وعمران الأرض وخرابها .
هذا شهر رمضان شهر البركات ، ولقد بينه سبحانه وتعالى ، والابتداء يرمز إلى الانتهاء فقال تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
وقد تكلمنا في أعذار المرض والسفر والعجز في الآيات السابقة .
هامش
( 1 ) رواه - عن عبد الرحمن بن عوف - النسائي : الصيام ( 2180 ) واللفظ له ، وأحمد في مسند العشرة ( 1572 ) ، وابن ماجة : إقامة الصلاة والسنة فيها ( 1318 ) .