تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
آخر الآية ، والآية التي نتعرض للكلام في معانيها الآن ، هي لحماية الجماعة الإسلامية من الآفات التي تفتك في بنائها ، وتحميها أيضا من الاعتداء وتفريق النفوس ، وتأريث الأحقاد ، فإذا كان من البر إعطاء المال على حبه للضعفاء ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصبر لأنه يؤلف القلوب ، فمن البر أيضا الضرب على أيدي المفسدين ، ومنعهم من أن يعيثوا في الأرض فسادا . ولذا كانت آية القصاص في ترتيب التنزيل وراء آية البر ؛ لأن كليهما في بناء الجماعات الإسلامية ، ونفى ما يهدد بنيانها ، وإن العرب في الجاهلية كانوا لا يقتصون من الجاني ، وإنما يثأرون من القبيلة ، والدماء فيهم لا تتكافأ في نظر العصبية الجاهلية ، فإذا قتل رجل من عامة الناس رئيس قبيلة لا يقتل القاتل أو لا يكتفى بقتله ، بل يقتل من يكافئ رئيس القبيلة ، وقد يقتل بالواحد مئات لكي يتكافئوا مع من قتل ، وهكذا كان قانون الغلب ، وقانون العصبية لا قانون القصاص العادل هو الذي يحكم ، وكان ذلك ناشئا من العصبية أولا ، وفرض التفاوت ثانيا ، والثأر الذي لا عدل فيه ثالثا . جاء القرآن الكريم ليمحو هذه العادة الجاهلية ، وإثبات أن الناس جميعا سواء ، وأن المسلمين كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم » « 1 » ، وفي ذلك إشارة إلى أنهم لا يكون أقوياء أمام من سواهم إلا بالعدل الذي لا يفرق بين شريف وضعيف .
هامش
( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد : مسند المكثرين ( 6506 ) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وذكره ، وبنحوه أخرجه أبو داود في الجهاد ( 2371 ) وابن ماجة : الديات ( 2675 ) . ورواه النسائي : كتاب القسامة ( 4650 ) من طريق أخرى قال : عن قيس بن عباد قال : انطلقت أنا والأشتر إلى علىّ رضى اللّه عنه فقلنا : هل عهد إليك نبىّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى النّاس عامّة ؟ قال : لا إلا ما كان في كتابي . هذا فأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه : « المؤمنون تكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمّتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد بعهده من أحدث حدثا فعلى نفسه أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين » . وأصله في البخاري ومسلم . وقد سبق في المقدمة .