تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
والصبر في الضراء ، والضراء ما ينال الجسم والنفس من مرض عارض أو من مرض مزمن ، أو من فقد عضو من الأعضاء أو إصابته ، والصبر في هذه الحال ألا يشكو ولا يئن ولا ييئس من رحمة الله تعالى ، روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يقول الله تعالى : أيما عبد من عبادي ابتليته في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خير من دمه ، فإن قبضته فإلى رحمتي ، وإن عافيته عافيته وليس له ذنب » « 1 » . والموطن الثالث الذي يكون فيه الصبر ، وفضله كبير لأنه يحمى الجماعة ، وهو « حين البأس » ، والبأس هنا هو الحرب وقال تعالى : « حين » إشارة إلى أن الحرب تجىء وقتا بعد وقت ، وليست مستمرة ، وإن استمرت أمدا طويلا تبدل الرجال بعد الرجال ، ولا يحارب الجيش كله . وأصل البأس الشدة ، ومنه قوله تعالى :
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ . . .
( 165 ) [ الأعراف ] أي شديد ، وسميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة ، وإن هؤلاء الذين كانت حالهم برا قد قرر تعالى حكمه فيهم فقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
. الإشارة الأولى والثانية إلى الذين اتصفوا بالبر ، حتى كأنهم هم البر في أعمالهم المؤلفة للقلوب ، والمقربة للنفوس ، وصفاتهم المثبتة لقوة الإيمان وحسن العمل ، والإشارة إلى الأوصاف كما ذكرنا فيها إيذان بأن هذه الأوصاف هي علة الحكم وقد حكم الله تعالى الحكم وأكده بضمير الفصل « هم » ، وحكم لهم بحكمين مؤكدين : أولهما : أنهم صدقوا ، والثاني : أنهم المتقون .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي بتمامه في هذا الموضع من تفسيره . [ كتاب الجامع - ما جاء في أجر المريض ( 1475 ) ] . وروى البيهقي ( 6580 ) والحاكم في المستدرك ( 1323 ) عن أبي هريرة قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « قال الله تعالى : إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكنى إلى عوّاده أطلقته من أسارى ثمّ أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه ثمّ يستأنف العمل » قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
زهرة التفاسير — صفحة 529 | محمد أبو زهرة