تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
والتخريج الأول أظهر وأقرب إلى الخاطر ، وهو المتبادر ، ولقد قال بعد ذلك :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
، أي أن المؤمنين لوصفهم بالإيمان ولإذعانهم بالحق ولأنهم يعبدون من يملك النفع والضر ، وأنه خالق الكون ؛ ولأن حبهم مقصور على الذات العلية ، فإنهم بذلك أشد حبا لله ، ومظهر حب الله تعالى الإخلاص له ، وتسليم الوجه والطاعة له ، والخضوع له ، ولما يأتي من عنده ، فحب الله طاعته ، وأن تمتلئ النفس بذكره ، وأن يكون حبه كله لله تعالى لا يحب شيئا في الوجود إلا لله ، كما قال تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ . . .
( 54 ) [ المائدة ] ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله » « 1 » فالله في قلبه وفي عمله ، وقوله واختلاطه بالناس ، وهو معه دائما . وإن الله تعالى قد أعد العقاب الشديد لأولئك الذين اتخذوا الأنداد ، وقدسوا الحجارة ، وعبدوا الطاغوت ، وقد قال تعالى في وصف عقابهم الهائل :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
والذين ظلموا هم الذين اتخذوا الأنداد ، وأظهرهم ، ولم يعبر عنهم بالضمير أو الإشارة ، لبيان أنهم ظالمون ظلموا أنفسهم وظلموا الحقيقة ، وضلوا وأضلوا ، وإن ما ينالهم من جزاء هو بسبب ظلمهم ، وقوله تعالى :
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
مفعول يرى ، ويصح أن تكون يرى الأولى علمية ، ويكون المؤدى أن ذلك يوم القيامة وظلمهم كان في الدنيا ، ويكون سياق الكلام هكذا : لو يرى الذين ظلموا أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ، لو يرى الذين ظلموا ذلك ، وهم يرون العذاب الواقع فعلا ، والمعنى يرون العذاب رأى العين بالعين البصرية يوم القيامة ويعلمون أن القوة لله جميعا ، وأن الله شديد العقاب . فهم يرون العذاب فعلا رأى العين ، وقد علموا في ذلك الوقت أن الله سبحانه وتعالى له القوة جميعا ، فلا قوة لأحد أن يزحزحهم من النار التي هم فيها ، ويعلمون أن الله شديد العقاب .
هامش
( 1 ) عن أبي أمامة ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « من أحبّ للّه وأبغض للّه وأعطى للّه ومنع للّه فقد استكمل الإيمان » . [ سنن أبي داود : كتاب السنة ( 4061 ) ] .
زهرة التفاسير — صفحة 494 | محمد أبو زهرة