تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
فهم مهينون في تفكيرهم ، إذ هم رفضوا الدليل المشتق من وجودهم ، وما يحيط بهم ، فضلوا ضلالا بعيدا ، والتعبير عنهم بذلك
وَمِنَ النَّاسِ
إشارة إلى أنهم ليس لهم من وصف إلا أن يقال إنهم من الناس ، فليس لهم وصف علم ولا إيمان ، ولا شيء من المكارم التي تعلى الإنسان وتسير به في مدارج الرقى ، كما تقول عن رجل محتقرا : هذا الآدمي ، أي ليس له من الصفات إلا أنه آدمي . الإشارة الثانية - أن الله تعالى قال :
يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً
. فيه إشارة إلى أنهم - أي الأنداد - ليس لهم وجود ذاتي بهذا الاعتبار ، إنما هم الذين جعلوهم كذلك جعلا ، فما كان لهم ذلك إلا بزعمهم الباطل وحدهم ، وهم يحسبون أنهم بهذا الاتخاذ يحسنون صنعا . وإنهم لا يكتفون بذلك الاتخاذ الباطل ، بل يعبدونهم ويحبونهم كحب الله تعالى بأن يجعلوهم نظراء الله تعالى في المحبة والخضوع وطلب الرضا . وقوله تعالى :
كَحُبِّ اللَّهِ
قد يكون معناه أنهم يسوونهم بالله تعالى في العبودية ، والطاعة والرضا بما يعتبرونه مرضيا لهم مع أنهم يرون أنهم لا ينفعون ولا يضرون ، وإذا أنزلت بهم شديدة لا يلجئون إلا لله ، ولا يطلبون كشف الضر إلا منه كما تلونا من كتاب الله تعالى ما يحكيه عنهم ، فهم يفرقون بين معبوداتهم ، وبين الله في شدائدهم ، ولا يفرقون في رخائهم ، وقد علمت أن وثنيى العرب ما كانوا ينكرون وجود الله وأنه المنشئ المكون للوجود ،
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . . .
( 25 ) [ لقمان ] ويقولون في أوثانهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله . وهذا التخريج هو الأقرب إلى الخاطر ، وهناك تخريج آخر ، يقول إن معنى قوله تعالى
كَحُبِّ اللَّهِ
أنهم يحبونهم كحب المؤمنين لله تعالى ، فهم ينزلون أندادهم منزلة الله تعالى عند أهل الإيمان فيفردونها بالعبادة كما يفرد المؤمنون الله تعالى بالعبادة وحده .
زهرة التفاسير — صفحة 493 | محمد أبو زهرة