تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
الصبر يكون بمعنى ضبط النفس عن الأهواء والشهوات ، وعما يكون فيه معصية الله تعالى ، ويكون بعزمة المؤمن القوى في طاعة الله ، وبتحمل ما ينزل مما يفزع القلب ، واطمئنان من غير أنين ، ومن هذا النوع الصبر على ما يصيب من نوائب الدهر ومصائبه . والمصائب جمع مصيبة ، وهي كل ما يصيب الإنسان بالأذى في نفسه من مرض ، أو ماله من خسارة فادحة ، أو فقد حبيب ، أو مفاجأة بما لا يسر بل يضر كهزيمة في حرب ، أو غدر غادر ، أو غير ذلك مما يكرث الإنسان من كوارث ، والصبر المحمود في هذه الأحوال وغيرها هو الصبر الجميل الذي يكون من غير أنين وشكوى كصبر يعقوب عندما غاب ابنه يوسف إذ قال :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
( 18 ) [ يوسف ] . وإنه مما يجعل الصبر جميلا لا أنين فيه ولا شكوى ، ولا تململ مما أنزل الله تعالى أن يفوض أمره إلى الله تعالى ، وأن يحيل المرجع والمآب إليه ، وأن يعتقد أن كل شيء من الله تعالى ، وأن إليه مرجع الأمور وعنده المستقر والمعاد ؛ ولذا قال تعالى في حال الصابرين وقولهم عندما تصيبهم المصيبة وتنزل بهم النازلة لا قبل لهم بها :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
. وإن هذه الجملة فيها من كمال التفويض والاعتزاز بجلال الله تعالى والاطمئنان إلى قدرته ما يعلو بالنفس على الأنين والشكوى لغير الله تعالى العلى القدير . ومعنى
إِنَّا لِلَّهِ
أي أننا ملك له تعالى يتصرف فينا كيف يشاء ، وأمورنا بين يديه يصرفها كما يشاء ، وهو نعم المعتمد في كشف الضر وإزالة الكرب ، وإنه ملكنا بخلقه وتقديره وتصريفه فينا وله الأمر والتدبير ، وإليه مرجعنا فنحن راجعون إليه وحده ؛ ولذا قدم الجار والمجرور
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
فنحن هنا في الحياة مملوكون له ، ومن بعد ذلك نرجع إليه وعسى أن يكون ذلك خيرا لنا . روى مسلم بسنده عن