تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
ومعرفة أهل الكتاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم معرفة لرسالته ، وما جاء به من حلال وحرام ، وللأرض التي يبعث منها ، ولقومه الأميين ، ولقد قال تعالى في ذكره عليه السلام في كتبهم :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 157 ) [ الأعراف ] . وإن أهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا من وقت بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم قسمين : قسم آمن واهتدى ، وقسم كابر وعاند فغوى ؛ ولذلك قال :
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أي أن فريقا من أهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ليكتمون ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم مع أنهم أعلنوا قبل مبعثه أنهم يعرفونه ، وكانوا يستفتحون به على المشركين ، وعبر سبحانه وتعالى عن النبي وشريعته ، وأظهر في موضع الإضمار ، فقال :
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ
، وذلك لبيان فساد نفوسهم ومقام ما أنكروه من رسالة ونبوة وشريعة ، فهم يكتمون الحق ، ومن يكتم الحق يكتم النور ، ولا بد من أن يظهر ، ثم أكد فساد نفوسهم ، فقال :
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
، أي والحال أنهم يعلمون أنه حق ، وأن من يكتم الحق يضل ويفسد ، فهم يعلمون أن فعلهم إثم ويعلمون نتائج ذلك الإثم ، ولكنهم في غىّ دائم وضلال مستمر . هذا شأن الذين يعلمون الحق ويكتمونه ، وبالإشارة إليه يتبين أن هناك من يقر به ، ويؤمن به ، وقوله تعالى :
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
قد يشير إلى أن هناك من لا يعلم ، كما قال تعالى :
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
( 78 ) [ البقرة ] وإثم هؤلاء على من كتموا الحق وهم يعلمون فوق ما عليهم من إثم ؛ إذ إن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعاهم إلى الحق . وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يجاور اليهود ، والمؤمنون كانوا يختلطون بهم ، ومنهم من كانت لهم محالفة ببعض منهم ؛ ولذلك ثبت الله قلوب المؤمنين ، حتى لا تجرهم المودة إلى أهوائهم ، أو الشك فيما عندهم ؛ ولذا قال تعالى :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
.