تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
الوسط يطلق بإطلاقين : أحدهما - الشئ المتوسط أو الأمر المتوسط بين أمرين أو نحو ذلك مما يكون متوسطا ، الثاني - الوسط بمعنى الخير ، ومن ذلك قوله تعالى :
قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
( 28 ) [ القلم ] أي : قال أعدلهم ، ويقال وسط الوادي أي خير موضع فيه . ولقد قال القائلون بالتفسير الثاني : إن الوسط كان خيرا ؛ لأنه متوسط بين طرفين كلاهما إثم أو باطل ، إذ الوسط مجانبة للغلو والتقصير ، فاليهودية قصرت في حق الأنبياء ، فقتلتهم ، والنصرانية غلت في حق نبي فعبدته ، فكان الوسط ألا يكون غلو ولا تقصير ، بل تلق للرسالة ، وإيمان بها ، ولقد أثر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « خير الأمور أوسطها » « 1 » ؛ لأن الأوسط بعيد عن الغلو والتقصير ولقد أثر عن علي بن أبي طالب أنه قال : « عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي ، وإليه يرتفع النازل » . ولأن التوسط خير دائما ، صار يطلق الوسط على الخير فيقال عن أفاضل الناس أوساطهم ، وعن خيار الأمور أوسطها ، وكل موضع فيه إصلاح أو صلح بين الناس يقال فيه وسط . والنسبية في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ
من المشابهة بين خيرية الكعبة وخيرية الأمة ، والمعنى كما جعلنا لكم الكعبة قبلة ، وهي خير بقعة في الأرض جعلناكم أمة وسطا . وقد فسر بعض العلماء الوسط هنا بالإطلاق الأول ، وهو التوسط بين أمرين ، ومعنى التوسط أن أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فوق الأمم ودون الأنبياء ، وهم على ذلك خير
هامش
( 1 ) حديث : « خير الأمور أوساطها » . رواه ابن السّمعانىّ في ( تاريخه ) ، من حديث علىّ بسند فيه من لا يعرف حاله . وأخرجه ابن جرير في ( تفسيره ) من كلام مطرّف بن عبد الله ، ومن كلام يزيد بن مرّة الجعفىّ . وروى أبو يعلى عن وهب بن منبّه قال : « إنّ لكلّ شئ طرفين ووسطا ، فإذا أمسك أحد الطّرفين مال الآخر ، وإذا أمسك الوسط اعتدل الطّرفان . فعليكم بالأوساط من الأشياء » . [ الدرر المنتثرة - ج 1 ص 415 ] وروى ابن ماجة عن جابر بن عبد اللّه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه كأنّه منذر جيش . . . إلى أن قال : ويقول : « أمّا بعد فإنّ خير الأمور كتاب اللّه وخير الهدى هدى محمّد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة » . [ المقدمة : اجتناب البدع والجدل ( 44 ) ] .
زهرة التفاسير — صفحة 438 | محمد أبو زهرة