عليكم ، فالخيرية التي اتسمتم بها هي علة الشهادة ، وهي باعثها ، والسبب في أنكم فوق الناس تحكمون لهم أو عليهم « 1 » .
ويصح أن تكون ( اللام ) ليست للتعليل ، وتكون للعاقبة أو الغاية ، والمعنى أن خيريتكم أو كونكم فوق الناس ودون الأنبياء غايتها وثمرتها أن تكونوا شهداء على الناس ، وأن يكون الرسول شاهدا عليكم ، بأنكم استحققتم هذه الخيرية .
والشهداء يصح أن تكون جمعا لشاهد ، أو جمعا لشهيد ، وقد ذكرنا أن من جمع الشاهد ، قوله تعالى :
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ . . .
( 282 ) [ البقرة ] .
وهنا أنسب أن تكون جمعا لشهيد ؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر المفرد في قوله تعالى :
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
والشاهد هو الحاضر الذي يعاين الأمر الذي يشهد عليه ، وهذا الأمر الذي يعاينه ، وينظر إليه إما أن يكون بعينه المبصرة ، وإما أن يكون ببصيرته المدركة المؤمنة الفاهمة ، ولا شك أن الشهادة في هذا المقام تكون بالأفئدة التي في الصدور ، لا بالأبصار التي ترى الحسيات ، ويصح أن تكون رؤية القلوب واضحة بينة كرؤية الأبصار .
وهنا إشارة بيانية يجب أن نذكرها ، وهي أنه تعالى عدّى الشهادة ب « على » دون اللام ، فقال تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
مع أن الشهادة قد تكون لهم ، وقد تكون عليهم . والجواب عن ذلك أن الشهادة هنا حكم ، أو هي متضمنة معنى الحكم ؛ ولذا تعدت بعلى ، لتكون بمعنى الحكم ، وقد تكون الشهادة بمعنى تعليم الناس ، وشهادة الرسول بمعنى تعليم أمته .
وقد يسأل سائل : لما ذا كانت القبلة أولا إلى بيت المقدس ، ثم حولت إلى الكعبة ، بعد أن كانت في مكة ملتزمة إلى أمد يسير ؛ إذ كان مع الاتجاه إلى بيت
هامش
( 1 ) عن أبي سعيد الخدرىّ رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبّيك وسعديك يا ربّ ، فيقول : هل بلّغت ؟ فيقول : نعم ، فيقال لأمّته : هل بلّغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير .
فيقول : من يشهد لك ؟ فيقول : محمّد وأمّته . فتشهدون أنّه قد بلّغ ، ويكون الرّسول عليكم شهيدا ، فذلك قوله جلّ ذكره :وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . . .( 143 ) [ البقرة ] والوسط العدل » . [ رواه البخاري : كتاب تفسير القرآن ( 4127 ) ] .