تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
ولقد رد الله تعالى آمرا النبي صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
وقد أمر الله تعالى : بأن يتولى النبي صلى اللّه عليه وسلم الرد عليهم ؛ لأن الاعتراض المتهكم كان على النبي وأصحابه ، وهم يرمونه بالتحير ، وكان الرد
لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
، أي أن الله تعالى مالك الأرض شرقيها وغربيها وشماليها وجنوبيها ، وذكر الشرق والغرب ؛ لأن من ملكهما ملك الأرض كلها ، لا فرق بين قريب وبعيد ، وإذا كان هو المالك ملكية مطلقة للأرض ، فهو يتخير لموضع قبلته ما يشاء من أرضه وليس لأحد سلطان فيما يريد ، وهو يختار من أرضه ما يراه أصلح وأقرب وأنسب ، وقد اختار البيت الحرام ، كما اختار من قبل بيت المقدس ، والبيت الحرام بناء إبراهيم وأول بيت وضع للناس ، وهو كما قال علماء الكون في وسط الأرض ، واختصه الله تعالى بأن به وحوله مناسك الحج ، وقالوا إنه منذ خلق الله تعالى مكة لم يكن بها زلزال ولا خسف ، فكأن الله تعالى قد أمنها من هذه الظروف الكونية ، كما كان الناس فيها آمنين من القتل ، وجعله سبحانه وتعالى حرما آمنا ، ويتخطف الناس من حولهم . ولقد بين سبحانه وتعالى أن هذا الذي اختاره من قبلة هو الهداية لا يرضى به إلا من هداه الله تعالى ، فذيل الآية بقوله تعالت كلماته :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي أن الله تعالى بحكمته كان في عباده من اهتدى ، وكان في عباده من ضل وغوى ؛ فمن سلك الجدد ، وحارب هواه ، ووسوسة الشيطان ، فإن الله تعالى يأخذ بيده ، ويوجهه إلى صراط - أي طريق - مستقيم ، والطريق المستقيم هو أقرب الطرق للوصول إلى الغاية ، إذ إن الخط المستقيم أقرب خط بين نقطتى الابتداء والانتهاء . وإن الله تعالى اختار خير أماكن الأرض لتكون قبلة الناس ، وهي وسط الأرض وخير بقعة فيها ؛ لما ذكرنا من مناقب لهذا البيت ، ولأن منشئها أول نبي عرف بأنه حطم الأوثان ، وجعلها جذاذا ، ولقد كانت أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم - آخر محطم للأوثان - والذي جعلها جذاذا مطروحا - خير أمة ، وإنه كما اختار الله خير بقعة في الأرض لتكون قبلة إذ أنشأها محطم الأوثان فكذلك جعل أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس ؛ ولذا قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
.