ولم يكن الناسخ والمنسوخ ثابتين بالقرآن ، بل إن كليهما ثبت بالسنة فالمنسوخ ثبت بالسنة ، وهي عمل النبي صلى اللّه عليه وسلم بوحي من الله تعالى ، وتحويل القبلة - وهو الناسخ - ثبت بالسنة أيضا ، فقد روى البخاري عن البراء أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ، وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وإن أول صلاة صلاها صلاة العصر ، وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد - أي قباء - فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله ، لقد صليت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت « 1 » .
ولقد أعلم من يصلون في قباء في صباح اليوم التالي ، روى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ، فقال :
إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة « 2 » .
ونرى من هذا أن استقبال بيت المقدس ثبت بالسنة ، وثبت التحويل أيضا بالسنة ، والقرآن ذكر آثار التحويل ، وما يقوله الناس ، وأكد التحويل ، والقرآن الذي أشار إليه الراوي في الحديث هو الذي نزل بعد أن تحول النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه بالفعل ، وقد تأكد أمر القبلة بقوله تعالى :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . . .
( 150 ) [ البقرة ] .
قوله تعالى :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ
. قال بعض المفسرين أن الاستقبال هنا موضوع موضع الماضي ؛ لأنهم قالوا : وإنما عبر بالمستقبل المؤكد بالسين للدلالة على دوام قولهم إذ قالوه في الماضي ، وسيقولونه في المستقبل ، فسفه القول لا ينته ، بل هو يمتد ويكرر ما دام السفه قائما .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في المقدمة من رواية البخاري ومسلم .
( 2 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : كتاب الصلاة ( 388 ) ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة ( 820 ) .