أجل وأعلى من ذلك فترك للنبي صلى اللّه عليه وسلم أمر هذه المحاجة . والاستفهام هنا للتوبيخ ؛ أي ما كان لكم أن تحاجونا في الله تعالى بادعاء القرب ، وأنكم أولى به وبمحبته ومعرفته ، فالمحاجة في الله تعالى لا في أصل وجوده ، ولا في أصل وحدانيته لقوله تعالى :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
( 13 ) [ الرعد ] . ففي هذا النص كان الجدال في الله تعالى ، من حيث وجوده ، وأنه الفاعل المختار .
أما هنا في هذا النص الذي نتكلم في معانيه ، فالمحاجة في الله تعالى من جهة القرب منه ، والمنزلة عنده لا محاجة أصل وجوده ، والمحاجة من جانب اليهود والنصارى بادعائهم على الله سبحانه وتعالى بأن دينهم هو الذي ارتضاه وأنهم أقرب إلى الله ، وأنهم أحبابه ، وأنهم أبناؤه ، إلى غير ذلك من الأوهام التي يثيرونها حول الله تعالى .
وهم يثيرون قولهم على اعتقاد أن النبي يحاجّهم كما يحاجّونه ؛ ولذلك كانت صيغة المفاعلة .
وقد أمر الله تعالى نبيه ، بأن يبين لهم أنه لا حاجة إلى المحاجة ؛ ولذا أمره تعالى بأن يقول :
وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
فصلتنا بالله واحدة ، وهو أنه ربنا جميعا ، وقد بين المماثلة في الصلة بالله تعالى لصلة الربوبية ، وهي متحدة في معنى الربوبية ، ولا تفاوت بيننا في هذا ، فلستم أقرب إليه ، ولا نحن أقرب من هذه الناحية ، ونبههم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر ربه بأن التفاوت إنما هو بالأعمال ؛ ولذلك أمره تعالى بأن يقول لهم :
وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
فأعمالنا بما فيها من خير ونفع تتحمل في ذاتها استحقاق جزائها ، ولكم أعمالكم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وأن القرب إلى الله تعالى أو البعد إنما هو بحسب الأعمال ، فهي التي تقرب ، وهي التي تبعد ، وهي التي يكون عليها الجزاء .
وقد وصف الله آمرا نبيه بقوله :
وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
أي نحن قد أخلصنا بقلوبنا في عبادة الله تعالى فلا نشرك في العبادة سواه ، ولا نعكر إخلاصنا لله تعالى