تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
بسبب من أسباب الدنيا ، فنحن صرنا لله نحب الشئ لا نحبه إلا لله ، وهذا تحريض لليهود وغيرهم على أن يكونوا مثلهم ، فإن كانوا مثلهم التقوا على الإيمان الجامع غير المفرق . والإخلاص كما قلنا تصفية النفس من أن يكون فيها غير الله تعالى ، وتصفية الفعل من أن تكون لغير الله فيه شائبة ، ولقد قال بعض الصوفية : الإخلاص سر بين العبد وبين الله لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده . وفي الجملة الإخلاص حصن العبادة الحصين . إن اليهود والنصارى افتروا مع كفرهم وجحودهم وقولهم : عزير ابن الله ، وقولهم : المسيح ابن الله وإيمانهم بالثالوث ، وافتروا فادعوا أنهم أقرب إلى الله وأحب ، ثم انحدروا في تفكيرهم فقلبوا التاريخ فجعلوا أوله لاحقا وآخره سابقا ، وضلت عقولهم ضلالا بعيدا ، فزعموا أن إبراهيم كان يهوديا أو كان نصرانيا ولقد قال تعالى في ذلك :
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى
. وإن هذا قلب كما قلنا للأوضاع ، فاليهود والنصارى أولاد ليعقوب عليه السلام ، وهم تابعون له ، ولآبائه ، فكيف يقلبون المتبوع ويجعلونه تابعا ، ولكنهم يحسبون لغرورهم أن ديانة إبراهيم وأبنائه كانت متفقة مع اليهودية أو النصرانية ، اليهود يقولون إنهم كانوا على ديانتهم ، والنصارى يبهتون الناس بالكذب فيدعون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا يؤمنون فيما يزعمون بثالوثهم الباطل بطلانا مطلقا ، ولتفنيد أوهامهم أمر الله تعالى نبيه أن يرد عليهم ردا طيبا متفقا مع قوله :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . .
( 46 ) [ العنكبوت ] وقال الله تعالى لنبيه :
قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ
كان جواب النبي صلى اللّه عليه وسلم لهم سؤالا لهم محرجا كاشفا لهم ؛ لأنهم ادعوا أنهم أعلم بعد أن كفروا ، وإن قالوا أن الله أعلم فقد كذبوا على أنفسهم ، فهو سؤال ينته برد كلامهم بأنفسهم ، وهو سؤال من علّمه تعالى الحكمة وفصل الخطاب .