تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
وكذلك لا يكفيكم عملهم ، إن خيرا فخيره لهم إلا أن تكونوا قد عملتم مثل عملهم ولا تزر وازرة وزر أخرى . إن ملة إبراهيم عليه السلام ، وهي التوحيد ، والطهارة من الوثنية هي لب الدين اصطفاه الله تعالى لنا ، وهي الحق الذي لا ريب فيه ، وهي مقياس الحق الذي يتميز به من الباطل ، فمن آمن بها فقد اهتدى ، ومن خالفها فقد ضل وغوى ، وأهل الكتاب الذين حرفوا القول عن مواضعه ، وغيروا وبدلوا ، وخرجوا عن المنهاج وتركوا ملة إبراهيم عليه السلام يزعمون أن ما عندهم حق ، وهو الهداية ، كذلك ضلت أفهامهم ، فزعم اليهود أن في يهوديتهم السلامة ، وزعم النصارى بنصرانيتهم الوثنية أنها الهداية وكل في غيهم يعمهون ؛ ولذا قال تعالى :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
أي قال اليهود : أي الحاقدون الكافرون بأنعم الله التي توالت عليهم : كونوا هودا ، أي كونوا يهودا تهتدوا ؛ لأن الهداية تحوطهم ، وهم في قبتها ، وقال النصارى المثلثون الوثنيون : كونوا نصارى تهتدوا ؛ لأن الهداية في حقبتهم لا تخرج عنهم أبدا والعاقبة لهم في زعمهم ، مع أنهم وثنيون ، لا يتبعون نبيا مرسلا ، ولكن يتبعون فلسفة كاذبة ضالة مضلة « 1 » . قال اليهود ما قالوا ، وقال النصارى المثلّثون ما قالوا ، فأمر الله تعالى نبيه بأن يرد قولهم بقوله :
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
. قل لهم يا رسول الله : إن المقياس الصحيح الواجب الاتباع ؛ لأجل البعد عن الباطل ، والاهتداء بهدى الحق - مضربا عن كلامهم صفحا - هو ملة إبراهيم ؛ ولذا قال تعالى :
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
، وبل هنا للإضراب عن أوهامهم وترهاتهم ، وملة مفعول لفعل محذوف تقديره : بل اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ، أي مائلا للاستقامة أو مائلا نحو الحق هاديا إليه ، فالحنيفية السمحة أي الحق ، وجنف وحنف معناهما الميل ، بيد أن الجنف الميل إلى الباطل كما قال تعالى :
غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ . . .
( 3 ) [ المائدة ] ، والحنيف المائل نحو الحق ، والحنف يطلق على الاستقامة والحنيف معناه المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف .
هامش
( 1 ) راجع : « محاضرات في النصرانية » للمؤلف .
زهرة التفاسير — صفحة 421 | محمد أبو زهرة